الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
109
تفسير روح البيان
كالنفح الا انه أشد تأثيرا كما في الإرشاد وغيره وتخصيص الوجوه بذلك لأنها اشرف الأعضاء وأعظم ما يصان منها فبيان حالها از جر عن المعاصي المؤدية إلى النار وهو السر في تقديمها على الفاعل وَهُمْ فِيها كالِحُونَ من شدة الاحتراق . والكلوح تقلص الشفتين عن الأسنان كما ترى الرؤوس المشوية وعن مالك بن دينار كان سبب توبة عتبة الغلام انه مر في السوق برأس اخرج من التنور فغشى عليه ثلاثة أيام ولياليهن وفي الحديث ( تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخى شفته السفلى حتى تبلغ سرته ) انتهى فيقال لهم تعنيفا وتوبيخا وتذكيرا لما به استحقوا ما ابتلوا به من العذاب أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ في الدنيا فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ حينئذ قالُوا يا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا اى ملكتنا شِقْوَتُنا التي اقترفناها بسوء اختيارنا فصارت أحوالنا مؤدية إلى سوء العاقبة قال القرطبي وأحسن ما قيل في معناه غلبت علينا لذاتنا واهواؤنا فسمى اللذات والأهواء شقوة لأنهما تؤديان إليها قال أبو تراب الشقوة حسن الظن بالنفس وسوء الظن بالخلق وَكُنَّا بسبب ذلك قَوْماً ضالِّينَ عن الحق ولذلك فعلنا ما فعلنا من التكذيب وسائر المعاصي رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ متجاوزون الحد في الظلم لأنفسنا قالَ تعالى بطريق القهر اخْسَؤُا فِيها اسكتوا في النار سكوت هوان فإنها ليست مقام سؤال وانزجروا انزجار الكلاب إذا زجرت من خسأت الكلب إذا زجرته مستهينا به فخسأ اى انزجر وَلا تُكَلِّمُونِ اى باستدعاء الإخراج من النار والرجع إلى الدنيا فإنه لا يكون ابدا إِنَّهُ تعليل لما قبله من الزجر عن الدعاء اى ان الشان كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي وهم المؤمنون يَقُولُونَ في الدنيا رَبَّنا آمَنَّا صدقنا بك وبجميع ما جاء من عندك فَاغْفِرْ لَنا استر ذنوبنا وَارْحَمْنا وأنعم علينا بنعمك التي من جملتها الفوز بالجنة والنجاة من النار وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ لان رحمتك منبع كل رحمة فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا مهزوا بهم اى اسكتوا عن الدعاء بقولكم ربنا إلخ لأنكم كنتم تستهزؤن بالداعين بقولهم ربنا آمنا إلخ وتتشاغلون حَتَّى أَنْسَوْكُمْ اى الاستهزاء بهم فان أنفسهم ليست سبب الانساء ذِكْرِي اى ذكركم إياي والخوف منى والعمل بطاعتي من فرط اشتغالكم باستهزائهم وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ وذلك غاية الاستهزاء وقال مقاتل نزلت في بلال وعمار وسلمان وصهيب وأمثالهم من فقراء الصحابة كان كفار قريش كأبى جهل وعتبة وأبى بن خلف واضرابهم يستهزؤن بهم وبإسلامهم ويؤذونهم إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا بسبب صبرهم على اذيتهم والصبر حبس النفس عن الشهوات أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ تأنى مفعولى الجزاء اى جزيتهم فوزهم بمجامع مراداتهم مخصوصين به وفي التأويلات النجمية وفيه من اللطائف ان أهل السعادة كما ينتفعون بمعاملاتهم الصالحة مع اللّه من اللّه ينتفعون بانكار منكريهم واستخفاف مستهزئيهم وان أهل الشقاوة كما يخسرون بمعاملاتهم الفاسدة مع أنفسهم يخسرون باستهزائهم وانكارهم على الناصحين المرشدين قالَ اللّه تعالى تذكيرا لما لبثوا فيما سألوا الرجوع اليه من الدنيا بعد التنبيه على استحالته بقوله ( اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ )