الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
513
تفسير روح البيان
جسده حتى بقي العظام والقلب واللسان والأذنان والعينان ولما قصد قلبه الذي هو منبع المعرفة ومعدن النبوة والولاية ولسانه الذي هو مصدر الذكر ومورد التوحيد غار عليه وخاف ان ينقطع عن طاعة اللّه وتسبيحه بالكلية فإنه كان من ضعف الحال بحيث لا يستطيع القيام للصلاة فلما انتهى وقت الابتلاء وحصل الفناء التام في مقام البلاء وألهمه اللّه الدعاء ليوصله إلى مرتبة البقاء ويتجلى له بالجمال واللقاء بعد الجلال والأذى كما اخبر عنه بقوله إِذْ نادى رَبَّهُ اى دعاه أَنِّي اى باني مَسَّنِيَ أصابني الضُّرُّ [ رنج وسختى ] قالوا الضر بالفتح شائع في كل ضرر وبالضم خاص بما في النفس من مرض وهزال ونحوهما وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ بين افتقاره اليه تعالى ولم يقل ارحمني لطفا في السؤال وحفظا للأدب في الخطاب فان أكثر أسئلة الأنبياء في كشف البلاء عنهم انما هي على سبيل التعريض وفي النفس حاجات وفيك فطانة * سكوتى بيان عندها وخطاب وقال الحافظ أرباب حاجتيم وزبان سؤال نيست * در حضرت كريم تمنا چه حاجتست فان قيل أليس صرح زكرياء في الدعاء قال فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا قلنا هذا سؤال العطاء لا يجمل به التعريض وذلك كشف البلاء فيجمل به التعريض لئلا يشتبه بالشكاية - ويحكى - ان عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت يا أمير المؤمنين مشت جرذان بيتي على العصى فقال لها ألطفت في السؤال لا جرم لأردنها تثب وثب الفهود وملأ بيتها حبا . فهذا القول من أيوب دعاء وتضرع وافتقار لا جزع وشكاية كما هو حال الاضطرار ولذا جاء جوابه بلفظ الاستجابة وقال تعالى في حقه إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ وعلى تقدير تضمنه الشكاية فقد اشتكى من البلوى اليه تعالى لا إلى غيره وهو لا ينافي الصبر الجميل كما قال يعقوب انما أشكو بثي وحزنى إلى اللّه فصبر جميل والعارف الصادق إذا كان متحققا في معرفته فشكواه حقيقة الانبساط ومناداته تحقيق المناجاة واساه في بلاء حبيبه حقيقة المباهاة ولسان العشق لسان التضرع والحكاية لا لسان الجزع والشكاية كما أشار العاشق بشنو از نى چون حكايت ميكند * از جداييها شكايت ميكند « 1 » وفي التأويلات النجمية يشير إلى أن كل ما كان لا يوب من الشكر والشكاية في تلك الحالة كان مع اللّه لا مع غيره وإلى أن بشرية أيوب كانت تتألم بالضر وهو يخبر عنها ولكن روحانيته المؤيدة بالتأييد الإلهي تنظر بنور اللّه وترى في البلاء كمال عناية المبتلى وعين مرحمته في تلك الصورة تربية لنفسه ليبلغها مقام الصبر ورتبة نعمة العبدية وهو يخبر عنها ويقول مَسَّنِيَ الضُّرُّ من حيث البشرية بنور فضلك وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ علىّ بأنك تترحم علىّ بهذا البلاء ومس الضر وقوة الصبر عليه لتفنى نفسي عن صفاتها وهي العجلة وتبقى بصفاتك ومنها الصبر والصبر من صفات اللّه لا من صفات العبد كقوله تعالى وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ والصبور هو اللّه تعالى فَاسْتَجَبْنا لَهُ [ پس أجابت كرديم دعاى ويرا ] فَكَشَفْنا [ پس
--> ( 1 ) در ديباجهء دفتر يكم