الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

509

تفسير روح البيان

لا يخلو عن شبهة في هذا الزمان مع أن الاستناد إلى الرزق المعلوم ينافي التوكل التام ولذا لم يأكل كثير من أهل الحق ربح المال الموقوف بل أكلوا مما فتح اللّه عليهم من الصدقات الطيبة من غير حركة ذهنية منهم فضلا عن الحركة الحسية نعم أكل بعضهم من كسب يده قال الحافظ فقيه مدرسه دى مست بود وفتوى داد * كه مى حرام ولى به ز مال اوقافست غلط الشراح في شرح هذا البيت وأقول تحقيقه ان قوله « ولى به » من كلام الحافظ لا من كلام المفتى . يعنى ان الفقيه كان سكران من شراب الغفلة وحب الدنيا والاعتماد على مال المدرسة ولذا أنكر أهل حال العشق وجعل شرابهم الذي هو العشق حراما ولكن ليس الأمر كما قال فإنه أولى من مال الوقف . يعنى ان العشق والتوكل التام اللذين عليهما محققوا الصوفية أفضل من الزهد والاكل من مال الوقف اللذين عليهما فقهاء العصر وعلماؤه فالانكار يتعلق بالفقيه المعتمد لا بالعاشق المتوكل قال العلماء كان الأنبياء عليهم السلام يحترفون بالحرف ويكتسبون بالمكاسب . فقد كان إدريس خياطا . وقد كان أكثر عمل نبينا عليه السلام في بيته الخياطة وفي الحديث ( عمل الأبرار من الرجال الخياطة وعمل الأبرار من النساء الغزل ) كما في روضة الاخبار وفي الحديث ( علموا بنيكم السباحة والرمي ولنعم لهو المؤمنة مغزلها وإذا دعا أبوك وأمك فأجب أمك ) كما في المقاصد الحسنة للسخاوي وفي الحديث ( صرير مغزل المرأة يعدل التكبير في سبيل اللّه والتكبير في سبيل اللّه أثقل في الميزان من سبع سماوات وسبع أرضين ) وفي الحديث ( المغزل في يد المرأة الصالحة كالرمح في يد الغازي المريد به وجه اللّه تعالى ) كما في مجمع الفضائل . وكان نوح نجارا . وإبراهيم بزازا وفي الحديث ( لو اتجر أهل الجنة لا تجروا في البز ولو اتجر أهل النار لا تجروا في الصرف ) كذا في الاحياء . وداود زرادا . وآدم زراعا وكان أول من حاك ونسج أبونا آدم قال كعب مرت مريم في طلب عيسى بحاكة فسألت عن الطريق فارشدوها إلى غير الطريق فقالت اللهم انزع البركة من كسبهم وأمتهم فقراء وحقرهم في أعين الناس فاستجيب دعاؤها ولذا قيل لا تستشيروا الحاكة فان اللّه سلب عقولهم ونزع البركة من كسبهم . وكان سليمان يعمل الزنبيل في سلطته ويأكل من ثمنه ولا يأكل من بيت المال . وكان موسى وشعيب ومحمد رعاة فإنه عليه السلام آجر نفسه قبل النبوة في رعى الغنم وقال ( وما من نبي الا وقد رعاها ) ومن حكمة اللّه في ذلك ان الرجل إذا استرعى الغنم التي هي أضعف البهائم سكن قلبه الرأفة واللطف تعطفا فإذا انتقل من ذلك إلى رعاية الخلق كان قد هرب أولا من الحدة الطبيعية والظلم الغريزي فيكون في اعدل الأحوال وحينئذ لا ينبغي لاحد عير برعاية الغنم ان يقول كان النبي عليه السلام يرعى الغنم فان قال ذلك ادّب لان ذلك كما علمت كمال في حق الأنبياء دون غيرهم فلا ينبغي الاحتجاج به ويجرى ذلك في كل ما يكون كما لا في حقه عليه السلام دون غيره كالأمية فمن قيل له أنت أمي فقال كان عليه السلام أميا يؤدب كما في انسان العيون يقول الفقير فقول السلطان سليم الأول من الخواقين العثمانية