الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

489

تفسير روح البيان

حسابه كما قال تعالى وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ ولما نبه عليه بقوله كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ وقوله يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ فالأولى هي القيامة والثانية الوقت القليل من الزمان مُشْفِقُونَ اى خائفون منها وقد سبق الإشفاق في هذه السورة وتخصيص إشفاقهم منها بالذكر بعد وصفهم بالخشية على الإطلاق للايذان بكونها معظم المخوفات وَهذا اى القرآن الكريم أشير اليه بهذا إيذانا بغاية وضوح امره ذِكْرٌ يتذكر به من يتذكر مُبارَكٌ كثير الخير والنفع يتبرك به أَنْزَلْناهُ على محمد صفة ثانية لذكر أو خبر آخر أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ انكار لانكارهم بعد ظهور كون انزاله كايتاء التوراة كأنه قيل أبعد ان علمتم ان شأنه كشأن التوراة في الإيتاء والإيحاء أنتم منكرون لكونه منزلا من عندنا فان ذلك بعد ملاحظة حال التوراة مما لا مساغ له أصلا قال بعض الكبار كلام اللّه سبحانه في نفسه مبارك وان لم يسمعه الجاهل ولكن مبارك على من يسمعه باستماع المحبة والشوق إلى لقاء المتكلم ويعمل بمضمونه ويعرف إشارته ويجد حلاوته في قلبه فإذا كان كذلك تبلغه بركته إلى مشاهدة معدنه وهو رؤية الذات القديم وفي الحديث ( ان الذي ليس في جوفه شئ من القرآن كالبيت الخراب ) وفي الحديث ( لا تجعلوا بيوتكم مقابر ) يعنى لا تتركوا بيوتكم خالية من تلاوة القرآن فان كل بيت لا يقرأ القرآن فيه يشبه المقابر في عدم القراءة والذكر والطاعة وإلى اللّه المشتكى من إهمال اهالى هذا الزمان فان ميل أكثرهم إلى الاشعار وكلام أهل الهوى لا إلى القرآن والهدى : قال الخجندي دل از شنيدن قرآن بگيردت همه وقت * چو باطلان ز كلام حقت ملولى چيست وفي التأويلات النجمية النور الذي هو يفرق بين الحق والباطل بل بين الخلق والخالق والحدوث والقدم نور يقذفه اللّه في قلوب عباده المخلصين من الأنبياء والمرسلين والأولياء الكاملين لا يحصل إلا بتكرار العلوم الشرعية لا بالأفكار العقلية وله ضياء وهو ذكر يتعظ به المتقون الذين يتقون عن الشرك بالتوحيد وعن الطمع بالشرع وعن الرياء بالإخلاص وعن الخلق بالخالق وعن الأنانية بالهوية وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ لمن يتعظ به ويعلم أن الاتعاظ به انما هو من نور أَنْزَلْناهُ في قلبه لا من نتائج عقله وتفكره أتنكرون على أنه نور من هدايتنا - حكى - ان عثمان الغازي جد السلاطين العثمانية انما وصل إلى ما وصل برعاية كلام اللّه تعالى وذلك أنه كان من أسخياء زمانه ببذل النعم للمترددين فثقل ذلك على أهل قريته وأنكروا عليه فذهب ليشتكى من أهل القرية إلى الحاجي بكتاش أو غيره من الرجال فنزل ببيت رجل قد علق فيه مصحف فسأل عنه فقالوا هو كلام اللّه تعالى فقال ليس من الأدب ان نقعد عند كلام اللّه فقام وعقد يديه مستقبلا اليه فلم يزل إلى الصبح فلما أصبح ذهب إلى طريقه فاستقبله رجل فقال انا مطلبك ثم قال له ان اللّه تعالى عظمك وأعطاك وذريتك السلطنة بسبب تعظيمك لكلامه ثم امر بقطع شجرة وربط رأسها بمنديل وقال ليكن ذلك لواء ثم اجتمع عنده جماعة فجعل أول غزوته إلى بلجك وفتح بعناية اللّه تعالى ثم اذن له السلطان علاء الدين في الظاهر أيضا فصار سلطانا ففي هذه الحكاية فوائد منها ان السلطنة اختصاص الهى كالنبوة