الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

458

تفسير روح البيان

عنها ثم نظر إلينا فدمعت عيناه وقال ( مرحبا بكم حياكم اللّه رحمكم اللّه تعالى أوصيكم بتقوى اللّه وطاعته قددنا الفراق وحان المنقلب إلى اللّه وإلى سدرة المنتهى وإلى جنة المأوى يغسلني رجال أهل بيتي ويكفنوننى في ثيابي هذه ان شاؤوا أو في حلة يمانية فإذا غسلونى وكفنونى ضعونى على سريري في بيتي هذا على شفير لحدي ثم اخرجوا عنى ساعة فأول من يصلى على حبيبي جبرائيل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت مع جنودهم ثم ادخلوا علىّ فوجا فوجا وصلوا علىّ فلما سمعوا فراقه صاحوا وبكوا ) وقالوا يا رسول اللّه أنت نور ربنا وشمع جمعنا وسلطان أمرنا إذا ذهبت عنا إلى من نرجع في أمورنا قال ( تركتكم على المحجة البيضاء ) اى الطريق الواسع الواضح ليلها كنهارها في الوضوح ( وتركت لكم واعظين ناطقا وصامتا ) فالناطق القرآن والصامت الموت ( فإذا أشكل عليكم امر فارجعوا إلى القرآن والسنة وإذا قست قلوبكم فلينوها بالاعتبار في أحوال الأموات ) وعن أبي هريرة رضى اللّه عنه مرفوعا ( من تعلم القرآن في صغره اختلط القرآن بلحمه ودمه ومن تعلمه في كبره فهو يتفلت منه ولا يتزكه فله اجره مرتين ) وجه الأول انه في الصغر خال عن الشواغل وما صادف قلبا خاليا يتمكن فيه قال الشاعر أتاني هواها قبل ان اعرف الهوى * فصادف قلبا خاليا فتمكنا ويدخل في الثاني من له حصر أو عيّ لان من قرأ القرآن وهو عليه شاق فله أجران اجر لقراءته واجر لمشقته كذا في شرح المصابيح وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كم خبرية للتكثير محلها النصب على أنها مفعول لقصمنا ومن قرية تمييز وفي لفظ القصم الذي هو عبارة عن الكسر بإبانة اجراء المكسور وإزالة تأليفها بالكلية من الدلالة على قوة الغضب وشدة السخط مالا يخفى كانَتْ ظالِمَةً صفة لقرية بتقدير المضاف اى وكثيرا كسرنا وأهلكنا من أهل قرية كانوا ظالمين بآيات اللّه كافرين بها كدأبكم يا معشر قريش وَأَنْشَأْنا بَعْدَها اى بعد اهلاكها والإنشاء والاختراع والتكوين والتحليق والإيجاد أسماء مترادفة يراد بها معنى واحد وهو إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود كما في بحر العلوم قال الراغب الإنشاء إيجاد الشيء وتربيته وأكثر ما يقال ذلك في الحيوان كما في هذه الآية قَوْماً آخَرِينَ اى ليسوا منهم نسبا ولا دينا فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا الضمير للأهل المحذوف والبأس الشدة والمكروه والنكاية اى أدركوا عذابنا الشديد إدراكا تاما كأنه ادراك المشاهد المحسوس إِذا هُمْ مِنْها من القرية إذا للمفاجأة وهم مبتدأ خبره قوله يَرْكُضُونَ الركض ضرب الدابة بالرجل للعدو فمتى نسب إلى الراكب فهو أعداء مركوبه نحو ركضت الفرس ومتى نسب إلى الماشي فوطئ الأرض والمعنى يهربون مسرعين راكضين دوابهم أو مشبهين بهم في افراط الاسراع لا تَرْكُضُوا اى قيل لهم بلسان الحال أو بلسان المقال من الملك لا تركضوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ يقال اترفنه النعمة أطغته واترف فلان أصر على البغي اى إلى ما أعطيتموه من العيش الواسع والحال الطيبة حتى بطرتم به فكفرتم وأعرضتم عن المعطى وشكره وَمَساكِنِكُمْ التي تفتخرون بها وفي المثنوى