الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

419

تفسير روح البيان

التوبيخي والفاء عطف على مقدر يقتضيه المقام اى أخالفتني فعصيت امرى قالَ يَا بْنَ أُمَّ الام بإزاء الأب وهي الوالدة القريبة التي ولدته والبعيدة التي ولدت من ولدته ويقال لكل ما كان أصلا لوجود شئ أو تربيته أو إصلاحه أو مبدئه أم واصله يا ابن أمي أبدل الياء ألفا فقيل يا ابن اما ثم حذف الألف واكتفى بالفتحة لكثرة الاستعمال وطول اللفظ وثقل التضعيف وقرئ يا ابن أم بالكسر بحذف الياء والاكتفاء بالكسرة وخص الام بالإضافة استعظاما لحقها وترقيقا لقلبه واعتدادا لنسبها وإشارة إلى أنهما من بطن واحد والا فالجمهور على أنهما لأب وأم قال بعض الكبار كانت نبوة هارون من حضرة الرحمة كما قال تعالى وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا ولذا ناداه بأمه إذ كانت الرحمة للام أوفر ولذا صيرت على مباشرة التربية وفي التأويلات النجمية لما رأى هارون موسى رجع من تلك الحضرة سكران الشوق ملآن الذوق وفيه نخوة القربة والاصطفاء والمكالمة ما وسعه الا التواضع والخشوع فقال يا ابن أم لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي اى بشعر رأسي وخاطبه بيا ابن أم لمعنيين أحدهما ليأخذه رأفة صلة الرحم فيسكن غضبه والثاني ليذكره بذكر أمه الحالة التي وقعت له في الميقات حين سأل ربه الرؤية فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا وجاء الملائكة في حال تلك الصعقة يجرون برأسه ويقولون يا ابن النساء الحيض ما للتراب ورب الأرباب : قال الحافظ برو اين دام بر مرغ دكر نه * كه عنقا را بلند است آشيانه وقال عنقا شكار كس نبود دام باز چين * كآنجا هميشه باد بدستست دام را - روى - انه أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله من شدة غيظه وغضبه للّه وكان حديدا متصلبا في كل شئ فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل ففعل ما فعل بمرأى من قومه اى بمكان يراه قومه ويرون ما يفعل بأخيه إِنِّي خَشِيتُ لو قاتلت بعضهم ببعض وتفرقوا أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ برأيك وأراد بالتفريق ما يستتبعه القتال من تفريق لا يرجى بعده الاجتماع وفي الجلالين خشيت ان فارقتهم واتبعتك ان يصيروا حزبين يقتل بعضهم بعضا فتقول أوقعت الفرق فيما بينهم وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي لم تحفظ وصيتي في حسن الخلافة عليهم يريد به قوله اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ فان الإصلاح ضم النشر وحفظ جماعات الناس والمداراة بهم إلى أن ترجع إليهم وترى فيهم ما ترى فتكون أنت المتدارك للامر بنفسك المتلافى برأيك لا سيما وقد كانوا في غاية القوة ونحن على القلة والضعف كما يعرف عنه قوله إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي وفي العيون اى لم تنظر في امرى أو لم تنتظر قدومي وفي التأويلات النجمية يعنى منعني ترقب قولك وإطاعة أمرك عن اتباعك لا عصيان أمرك انتهى وهذا الكلام من هارون اعتذار والعذر تحرى الإنسان ما يمحوبه ذنوبه وذلك ثلاثة اضرب ان يقول لم افعل أو يقول فعلت لأجل كذا فيذكر ما يخرجه عن كونه مذنبا أو يقول فعلت ولا أعود ونحو ذلك وهذا الثالث هو التوبة فكل توبة عذر دون العكس وكان هارون