الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
417
تفسير روح البيان
ومنها ان متاع الدنيا سبب الغرور والفساد والهلاك ألا ترى ان فرعون اغتر بدنياه فهلك وان السامري صاغ من الحلي عجلا فافسد ولو لم يستصحبوها حين خرجوا من مصر لنجوا من عبادته والابتلاء بتوبته نسأل اللّه تعالى ان يهدينا هداية كاملة إلى جنابه ولا يردنا عن بابه ولا يبتلينا بأسباب عذابه وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ اى وباللّه لقد نصح لهم هارون ونبههم على كنه الأمر من قبل رجوع موسى إليهم وخطابه إياهم بما ذكر من المقالات يا قَوْمِ [ اى كروه من ] إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ اى اوقعتم في الفتنة بالعجل وأضللتم به على توجيه القصر المستفاد من كلمة انما إلى نفس الفعل بالقياس إلى مقابله الذي يدعيه القوم لا إلى قيده المذكور بالقياس إلى قيد آخر على معنى انما فعل بكم الفتنة لا الإرشاد إلى الحق لا على معنى انما فتنتم بالعجل لا بغيره وَإِنَّ رَبَّكُمُ المستحق للعبادة هو الرَّحْمنُ المنعم بجميع النعم لا العجل وانما ذكر الرحمن تنبيها على أنهم ان تابوا قبل توبنهم وإذا كان الأمر كذلك فَاتَّبِعُونِي في الثبات على الدين وَأَطِيعُوا أَمْرِي هذا واتركوا عبادة ما عرفتم شأنه وما أحسن هذا الوعظ فإنه زجرهم عن الباطل بقوله إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وأزال الشبهات أولا وهو كاماطة الأذى عن الطريق ثم دعاهم إلى معرفة اللّه بقوله وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فإنها الأصل ثم إلى معرفة النبوة بقوله فَاتَّبِعُونِي ) ثم إلى الشرائع فقال وَأَطِيعُوا أَمْرِي وفي هذا الوعظ شفقة على نفسه وعلى الخلق اما على نفسه فإنه كان مأمورا من عند اللّه بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ومن عند أخيه بقوله اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ فلو لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر لخالف امر اللّه وامر موسى وانه لا يجوز * أوحى اللّه إلى يوشع انى مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم فقال يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار قال إنهم لم يغضبوا لغضبي وفي الحديث ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) : قال الشيخ سعدى قدس سره بني آدم اعضاى يكديكرند * كه در آفرينش ز يك كوهرند چو عضوى بدرد آورد روزكار * دكر عضوها را نماند قرار تو كز محنت ديكران بي غمى * نشايد كه نامت نهند آدمي ثم إن هارون رأى المتهافتين على النار فلم يبال بكثرتهم ولا نفرتهم بل صرح بالحق بكوى آنچه دانى سخن سودمند * وكر هيچ كس را نيايد پسند كه فردا پشيمان بر آرد خروش * كه آوخ چرا حق نكردم بكوش وهاهنا دقيقة وهي ان الرافضة تمسكوا بقوله عليه السلام ( أنت منى بمنزلة هارون من موسى ) ثم إن هارون ما منعه التقية في مثل هذا الجمع العظيم بل صعد المنبر وصرح بالحق ودعا الناس إلى متابعة نفسه والمنع من متابعة غيره فلو كانت أمة محمد على الخطأ لكان يجب ان يفعل مثل ما فعل هارون وان يصعد المنبر من غير تقية وخوف ويقول فاتبعوني وأطيعوا امرى فلما لم يقل كذلك علمنا أن الأمة كانوا على الصواب وقد ثبت ان عليا احرق الزنادقة الذين قالوا بآلهيته لما كانوا