الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
389
تفسير روح البيان
ويستدلوا فبعد ان ظهر منهم التمرد والعناد فحينئذ يتوجه العنف والتشديد ويختلف ذلك باختلاف الأحوال انتهى فكل من اللين والخشونة يمدح به طورا ويذم به طورا بحسب اختلاف الواقع وعليه يحمل نحو قوله عليه السلام ( لا تكن مرا فتعقى ولا حلوا فتسترط ) يقال اعقيت الشيء إذا أذلته من فيك لمرارته واستراطه ابتلاعه ومن أمثال العرب لا تكن رطبا فتعصر ولا يابسا فتكسر وذلك لان خير الأمور أوسطها ورعاية مقتضى الحال قاعدة الحكيم : قال الشيخ سعدى قدس سره چو نرمى كنى خصم كردد دلير * وكر خشم كيرى شوند از تو سير درشتى ونرمى بهم در بهست * چو رك زن كه جراح ومرهم نهست وقيل امر اللّه موسى باللين مع الكافر مراعاة لحق التربية لأنه كان رباه فنبه به على نهاية تعظيم حق الأبوين وفي الاحياء سئل الحسن عن الولد كيف يحتسب على والده فقال يعظه ما لم يغضب فإذا غضب سكت فعلم منه انه ليس للولد الحسبة على الوالد بالتعنيف والضرب وليس كذلك التلميذ مع الأستاذ إذ لا حرمة لعالم غير عامل وقيل امر موسى باللين ليكون حجة على فرعون لئلا يقول أغلظ على القول في دعوته وقرأ رجل عند يحيى بن معاذ رحمه اللّه هذه الآية فبكى وقال الهى هذا رفقك بمن يقول انا الا له فكيف بمن يقول أنت الا له لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ [ شايد أو پند كيرد ] أَوْ يَخْشى [ يا بترسد از عذاب خداى ] كما قال في الإرشاد لعله يتذكر بما بلغتماه من ذكرى ويرغب فيما رغبتماه فيه أو يخشى عقابي وكلمة أو لمنع الخلو انتهى وقال بعضهم الرجاء والطمع راجعان إلى مال موسى وهارون والتذكر للمتحقق والخشية للمتوهم والخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه ولذلك خص العلماء بها في قوله إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ اى قولا له ذلك راجيين ان يترك الإصرار على انكار الحق وتكذيبه اما بان يتذكر ويتعظ ويقبل الحق قلبا وقالبا أو بان يتوهم انه حق فيخشى بذلك من أن يصر على الإنكار ويبقى مترددا ومتوقفا بين الامرين وذلك خير بالنسبة إلى الإنكار والإصرار عليه لأنه من أسباب القول ولقد تذكر فرعون وخشي حين لم ينفعاه وذلك حين ألجمه الغرق قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ - روى - ان موسى وعده على قبول الايمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع منه الا بالموت ويبقى عليه لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته فإذا مات دخل الجنة فأعجبه ذلك وكان هامان غائبا وهو لا يقطع امرا بدونه فلما قدم أخبره بما قال له موسى وقال أردت ان اقبل منه يا هامان فقال له هامان كنت أرى ان لك عقلا ورأيا أنت الآن رب تريد أن تكون مربوبا فأبى عن الأيمان . وفائدة إرسالهما اليه مع علمه تعالى بأنه لا يؤمن الزام الحجة وقطع المعذرة لان عادة اللّه التبليغ ثم التعذيب قال بعض أرباب الحقيقة الأمر تكليفي وارادى والإرادة كثيرا ما تكون مخالفة للامر التكليفي فالرسل والورثة في خدمة الحق من حيث امره التكليفي وليسوا في خدمته من حيث الأمر الإرادي ولو كانوا خادمين للإرادة مطلقا لما ردوا على أحد في فعله القبيح بل يتركونه على ما هو عليه لأنه هو المراد ولما كان لعين