الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

386

تفسير روح البيان

الحكم وهو صبي فاشتراط الأربعين في حق الأنبياء ليس بشئ كما في المقاصد الحسنة يا مُوسى كرره تشريفا له عليه السلام وتنبيها على انتهاء الحكاية التي هي تفصيل المرة الأخرى التي وقعت قبل المرة المحكية وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي تذكير لقوله وانا اخترتك اى اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فهو تمثيل لما أعطاه تعالى من الكرامة العظمى بتقريب الملك بعض خواصه واصطناعه لنفسه وترشيحه لبعض أموره الجليلة وقال الكاشفي [ وترا بركزيديم وخالص ساختيم براي محبت خود يعنى ترا دوست كرفتيم ] وفي حواشي ابن شيخ اى اخترتك لتحبنى وتتصرف على إرادتي ومحبتي وتشتغل بما أمرتك من إقامة حجتي وتبليغ رسالتي وأن تكون في حركاتك وسكناتك لوجهى لا لنفسك ولا لغيرك . والاصطناع افتعال من الصنع بالضم وهو مصدر قولك صنع اليه معروفا واصطناع فلان اتخاذه صنيعا محسنا اليه بتقريبه وتخصيصه بالتكريم والإجلال عن القفال قال اصطنعتك أصله من قولهم اصطنع فلان فلانا إذا أحسن اليه حتى يضاف اليه فيقال هذا صنيع فلان كما يقال هذا جريح فلان وفي القاموس واصطنعتك لنفسي اخترتك لخاصة امر أستكفيكه انتهى وحقيقته جعله عليه السلام مرآة قابلة لأنوار صفات الجمال والجلال وفيه إشارة إلى أن الخواص انما خلقوا لأجل هذا المعنى الخاص واما غيرهم فبعضهم للدنيا وبعضهم للآخرة فالخواص هم عباد اللّه حقا وقد تخلصوا من شوب الميل إلى الباطل وهو ما سوى اللّه تعالى : قال لبيد ألا كل شئ ما خلا اللّه باطل * وكل نعيم لا محالة زائل وفي الحديث ( إذا أحب اللّه عبدا ابتلاه فان صبر اجتباه وان رضى اصطفاه ) فالصبر تجرع المرارات عند نزول المصيبات والرضى سرور القلب بمر القضايا فالعبد الذي أراد اللّه اصطفاءه يجعله في بوتقة البلاء أولا فيخلص جوهره مما سواه فطريق هذا المنزل صعب جدا : قال المولى الجامي مكوكه قطع بيابان عشق آسانست * كه كوههاى بلا ريك آن بيابانست اللهم اجعلنا من الصابرين الشاكرين الراضين الواصلين اذْهَبْ أَنْتَ يا موسى والذهاب المضي يقال ذهب بالشيء وأذهبه ويستعمل ذلك في الأعيان والمعاني قال تعالى إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي وقال فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَأَخُوكَ اى وليذهب أخوك هارون حسبما استدعيت عطف عليه لأنه كان غائبا عن موسى وقتئذ . والاخوة المشاركة في الولادة من الطرفين أو من أحدهما أو من الرضاع ويستعار الأخ لكل مشارك لغيره في القبلة أو في الدين أو في صنعة أو في معاملة أو في مودة أو في غير ذلك من المناسبات بِآياتِي بمعجزاتى والباء للمصاحبة لا للتعدية إذ المراد ذهابهما إلى فرعون ملتبسين بالآيات متمسكين بها في اجراء احكام الرسالة وإكمال امر الدعوة لا مجرد اذهابهما وايصالهما اليه قال ابن عباس رضى اللّه عنهما يريد الآيات التسع التي أنزلت عليه وان كان وقوع بعضها بالفعل مترقبا بعد . ويحتمل ان يكون الجمع للتعظيم والمراد العصا واليد . أو لما ان أقل الجمع عند الخليل اثنان يعنى ان اطلاق الآيات على الآيتين وارد على الأدنى وَلا تَنِيا لا تفترا : وبالفارسية [ وسستى ميكنيد ] من ونى ينى ونيا فهو وان مثل وعد يعد وعدا فهو واعد بمعنى فتر يفتر فتورا فِي ذِكْرِي اى في مداومته