الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

336

تفسير روح البيان

انما هو من اللّه وكل كمال فبحوله وقوته ونصرته ومعونته وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ اى أتل يا محمد على قومك في السورة أو القرآن قصة إبراهيم وبلغها إياهم كقوله تعالى ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ ) وذلك ان أهل الملل كانوا يعترفون بفضله ومشركوا العرب يفتخرون بكونهم من أبنائه فامر اللّه تعالى حبيبه عليه السلام ان يخبرهم بتوحيده ليقلعوا عن الشرك إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً ملازما للصدق في كل ما يأتي وما يذر مبالغا فيه قائما في جميع الأوقات نَبِيًّا خبر آخر لكان مقيد للأول يخصص له اى كان جامعا بين الصديقية والنبوة وذلك ان الصديقية تلو النبوة ومن شرطها ان لا يكون نبيا الا وهو صديق وليس من شرط الصديق ان يكون نبيا . ولأرباب الصدق مراتب صادق وصدوق وصديق فالصادق من صدق في قيامه مع اللّه باللّه وفي اللّه وهو الفاني عن نفسه والباقي بربه . والفرق بين الرسول والنبي ان الرسول من بعث لتبليغ الاحكام ملكا كان أو إنسانا بخلاف النبي فإنه مختص بالإنسان إِذْ قالَ بدل من إبراهيم بدل الاشتمال لان الأحيان مشتملة على ما فيها اى اذكر وقت قوله لِأَبِيهِ آزر متلطفا في الدعوة مسهلا له يا أَبَتِ اى يا أبى فان التاء عوض عن ياء الإضافة ولذلك لا يجتمعان اى لا يقال يا ابتى ولا يقال يا أبتا لكون الألف بدلا من الياء لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ثناءك وتضرعك له به عند عبادتك له وما عبارة عن الصور والتماثيل ولام الإضافة التي دخلت على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك بم وعلام وفيم والام ومم وعم حذفت الألف لان ما والحرف كشئ واحد وقل استعمال الأصل وَلا يُبْصِرُ خضوعك وخشوعك بين يديه وَلا يُغْنِي عَنْكَ اى لا يفدر على أن ينفعك شَيْئاً لا في الدنيا ولا في الآخرة وهو مصدر اى شيأ من الإغناء وهو القليل منه أو مفعول به اى ولا يدفع عنك شيأ من عذاب اللّه تعالى يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي بطريق الوحي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي ولا تستنكف عن التعلم منى أَهْدِكَ [ ما بنماييم ترا ] صِراطاً سَوِيًّا اى مستقيما موصلا إلى أعلى المراتب منجيا من الضلال لم يشافهه بالجهل المفرط وان كان في أقصاه ولم يصف نفسه بالعلم الفائق وان كان كذلك بل جعل نفسه في صورة رفيق له في مسير يكون اعرف وذلك من باب الرفق واللطف يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ فان عبادتك للأصنام عبادة له إذ هو الذي يزينها لك ويغريك عليها إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ومن جملة عصيانه اباؤه عن السجدة ومعلوم ان طاعة العاصي تورث النقم وزوال النعم والتعرض لعنوان الرحمانية لاظهار كمال شناعة عصيانه يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ ان مت على ما أنت عليه من متابعة الشيطان وعصيان الرحمن أَنْ اى من أن يَمَسَّكَ يصيبك . وبالفارسية [ برسيد بتو ] عَذابٌ كائن مِنَ الرَّحْمنِ وذلك الخوف للمجاملة فَتَكُونَ [ پس باشى ] لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا اى قرينا له في اللعن المخلد أو قريبا تليه ويليك من الولي وهو القرب قالَ استئناف بيانى كأنه قيل فماذا قال أبوه عندما سمع منه هذه النصائح الواجبة القبول فقيل قال مصرا على عناده أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ اى أمعرض ومنصرف أنت عنها بتوجيه الإنكار إلى نفس الرغبة مع ضرب من التعجب كأن الرغبة عنها مما لا يصدر عن