الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
324
تفسير روح البيان
أذى القوم وشماتتهم وفي الحديث ( إذا أحب اللّه عبدا ابتلاه فان صبر اجتباه وان رضى اصطفاه ) فالواجب على العبد الحمد على البلية لما تضمنته من النعمة فان فقد فالصبر وكلاهما من طريق العبودية وإذا وقف مع الجزع المستفاد من وجود الشفقة على نفسه فهو من غلبة الهوى قال أحمد بن حضرويه قدس سره الطريق واضح والدليل لائح والداعي قد اسمع فما التحير بعد هذا الا من العمى وفي الحديث خطابا لابن عباس رضى اللّه عنهما ( ان استطعت ان تعمل للّه بالرضى في اليقين فافعل والا ففي الصبر على ما تكره خير كثير ) قال في شرح الحكم العطائية ثم إذا تأملت ظهر لك ان التحقق بالمعرفة منطو في وجود البلايا إذ ليست المعرفة الا بتحقق أوصافه تعالى حتى يفنى في أوصافه كل شئ من وجودك فلا يبقى لك عز مع عزه ولا غنى مع غناه ولا قدرة مع قدرته ولا قوة مع قوته وهذا يتحقق لك بوجود البلية إذ هي مشعرة بقهر الربوبية فافهم هذا وفقنا اللّه وإياكم للتحقق بحقيقة الحال والتمكن في مقام الصبر والحمد على جميع الأحوال : وفي المثنوى صد هزاران كيميا حق آفريد * كميايى همچو صبر آدم نديد « 1 » وذلك لان بالبلاء تحترق الأوصاف الرديئة الخلقية وبالصبر يحصل الأخلاق الإلهية والصفات الحقية فَحَمَلَتْهُ قال ابن عباس رضى اللّه عنهما فاطمأنت مريم إلى قول جبريل فدنا منها فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى بطنها فحملت عيسى عقيب النفخ يقول الفقير وصول النفخ إلى الجوف لا يحتاج إلى منفذ من المنافذ كالفم ونحوه ألا ترى ان الروح حين دخل جسد آدم دخل من اليافوخ وهو وسط الرأس إذا اشتد وقبل اشتداده كما في رأس الطفل يقال له الفادية بالفاء ثم نزل إلى العينين ثم إلى الفم ثم إلى سائر الأعضاء واعلم أن لعيسى عليه السلام جهة جسمانية وجهة روحانية واحدية جمع للجهتين فإذا نظر إلى جهة الجسمانية يظن أنه تكون من ماء مريم وإذا نظر إلى جهة الروحانية وآثارها من احياء الموتى وخلق الطير من الطين يحكم انه من نفخ جبريل وإذا نظر إلى أحدية جمعها يقال إنه تكون منهما فالتحقيق ان الملك لما تمثل لها بشرا سويا نزل الماء منها إلى الرحم لشدة اللذة بالنظر اليه فتكون عيسى من ذلك الماء المتولد عن النفخ الموجب للذة منها فهو من ماء أمه فقط خلافا للطبيعيين فإنهم ينكرون وجود الولد من ماء أحد الزوجين دون الآخر فان قلت قد ثبت ان ماء الرجل يكون منه العظم والعصب وماء المرأة يكون منه اللحم والدم فكيف جاء عيسى مركبا من هذه الاجزاء قلت خروجه على الصورة البشرية كامل الاجزاء انما هو من أجل أمه لان ماءها محقق ومن أجل تمثل جبريل في صورة البشر فإنه انما مثل في صورة البشر حتى لا يقع التكوين في هذا النوع الإنساني الا على الحكم المعتاد الذي جرت به العادة غالبا وهو تولده من شخصين إنسانين وقد توهمت في النفخ الماء فحصل الماء المتوهم أيضا ووجود بعض الأشياء قد يترتب على توهمه كترتب السقوط عن الجذع على توهمه ولأجل تكونه من نفخ جبريل طالت إقامته في صورة البشر لان للأرواح صفة البقاء - روى - ان مولد عيسى عليه السلام كان قبل مولد نبينا عليه السلام بخسمائة وخمس وخمسين سنة وقد بقي بعد
--> ( 1 ) در أواسط دفتر سوم در بيان صبر كردن لقمان عليه السلام إلخ