الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
188
تفسير روح البيان
يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ قراءة ظاهرة مسرورين وينتفعون بما فيه من الحسنات ولم يذكر الأشقياء وان كانوا يقرأون كتبهم أيضا لأنهم إذا قرأوا ما فيها لم يفصحوا به خوفا وحياء وليس لهم شئ من الحسنات ينتفعون به وَلا يُظْلَمُونَ اى لا ينقصون من أجور أعمالهم المرتسمة في كتبهم بل يؤتونها مضاعفة فَتِيلًا اى قدر فتيل وهو ما يفتل بين إصبعين من الوسخ أو القشرة التي في شق النواة أو أدنى شئ فان الفتيل مثل في القلة والحقارة وَمَنْ [ وهر كه ] اى من المدعوين المذكورين كانَ فِي هذِهِ الدنيا أَعْمى أعمى القلب لا يهتدى إلى رشده . يعنى [ دلش راه صواب نه بيند ] فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى لا يرى طريق النجاة لان العمى الأول موجب للثاني فالكافر لا يهتدى إلى طريق الجنة والعاصي إلى ثواب المطيع والقاصر إلى مقامات الكاملين وَأَضَلُّ سَبِيلًا من الأعمى في الدنيا لزوال الاستعداد وتعطل الأسباب والآلات وفقدان المهلة قال في التأويلات النجمية فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فهو أهل السعادة من أصحاب اليمين وفيه إشارة إلى أن السابقين الذين هم أهل اللّه تعالى لا يؤتون كتابهم كما لا يحاسبون حسابهم فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ لأنهم أصحاب البصيرة والقراءة والدراية وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا في جزاء أعمالهم الصالحة وفيه إشارة إلى أن أهل الشقاوة الذين هم أصحاب الشمال لا يقرأون كتابهم لأنهم أصحاب العمى والجهالة وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى اى في هذه القراءة والدراية بالبصيرة أعمى في الدنيا لقوله فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ الآية فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى لأنه يوم تبلى السرائر تجعل الوجوه من السرائر فمن كان في سريرته أعمى هاهنا يكون ثمة في صورته أعمى للمبالغة لان عمى السريرة هاهنا كان قابلا للتدارك وقد خرج ثمة الأمر من التدارك فيكون أعمى عن رؤية الحق وَأَضَلُّ سَبِيلًا في الوصول اليه لفساد الاستعداد وإعواز التدارك انتهى يقول الفقير ان قلت هل يحصل الترقي والتيقظ لبعض الافراد بعد الموت الصوري قلت إن السالك الصادق في طلبه إذا سافر من مقام طبيعته ونفسه فمات في الطريق اى بالموت الاضطراري قبل ان يصل إلى مراده بالموت الاختياري فله نصيب من اجر الواصلين واليه الإشارة بقوله تعالى وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ كما قال بعض الكبار من مات قبل الكمال فمراده يجيئ اليه كما أن من مات في طريق الكعبة يكتب له اجر حجين انتهى أشار إلى أن اللّه تعالى قادر على أن يكمله في عالم البرزخ بواسطة روح من الأرواح أو بالذات فيصير امره بعد النقصان الموهوم إلى الكمال المعلوم وقد ثبت في الشرع ان اللّه تعالى يوكل ملكا لبعض عباده في القبر فيقرئه القرآن ويعلمه اى ان كان قد مات أثناء التعلم . واما غير السالك فلا يجد الترقي بعد الموت اى بالنسبة إلى معرفة الحق إذ من المتفق شرعا وعقلا وكشفا ان كل كمال لم يحصل للانسان في هذه النشأة وهذه الدار فإنه لا يحصل له بعد الموت في الدار الآخرة كما في الفكوك فما يدل على عدم الترقي بعد الموت من قوله تعالى وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى انما هو بالنسبة إلى معرفة الحق لا لمن لا معرفة له أصلا فإنه إذا انكشف الغطاء ارتفع العمى بالنسبة إلى دار الآخرة ونعيمها وجحيمها والأحوال التي فيها