الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

163

تفسير روح البيان

إذا سئلوا عن خالق السماوات والأرض قالوا اللّه الا انهم لما جعلوا معه آلهة مع إقرارهم فكأنهم لم ينظروا ولم يقروا لان نتيجة النظر الصحيح والإقرار الثابت خلاف ما كانوا عليه فاذن لم يفهموا التسبيح ولم يستوضحوا الدلالة على الخالق إِنَّهُ كانَ حَلِيماً ولذلك لم يعاجلكم بالعقوبة مع أنتم عليه من الاعراض عن التدبر في الدلائل والانهماك في الإشراك . والحلم تأخير مكافأة الظالم بالنسبة إلى الخالق والطمأنينة عند سورة الغضب بالنسبة إلى المخلوق غَفُوراً لمن تاب منكم ورجع إلى التوحيد هذا ما عليه الزمخشري والبيضاوي وأبو السعود ومن يليهم من أهل الظاهر وهم الذين لهم عين واحدة وسمع واحد وقال الشيخ على السمرقندي قدس سره في بحر العلوم ذهب السلف الصالح إلى أن التسبيح في الآية في المحلين محمول على حقيقته وهو الأصح فإنه ان كان كلام الجماد مسلما فينبغي ان يكون تسبيحه أيضا مسلما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( انى لا عرف حجرا بمكة كان يسلم علىّ قبل ان ابعث انى لا عرفه الآن ) وعن ابن مسعود رضى اللّه عنه ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل على أن شهادة الجوارح والجلود مما نطق به القرآن الكريم وقال ابن عباس رضى اللّه عنهما في قوله تعالى إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ كان داود إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح وقال مجاهد كل الأشياء تسبح اللّه حيا كان أو جمادا وتسبيحها « سبحان اللّه وبحمده » وعن المقداد بن معدى كرب ان التراب يسبح ما لم يبتل والخربزة تسبح ما لم ترفع من موضعها والورق ما دام على الشجر والماء ما دام جاريا والثوب ما دام جديدا فإذا اتسخ ترك التسبيح والوحش والطير إذا صاحت فإذا سكتت تركت التسبيح وفي الحديث ( ما اصطيد حوت في البحر ولا طائر يطير الا بما يضيع من تسبيح اللّه ) كما في تفسير المدارك وقال النخعي كل شئ من جماد وحىّ يسبح بحمده حتى صرير الباب ونقيض السقف وقال عكرمة الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح والشجر أو النبات إذا قطع يسبح ما دام رطبا قال في الكواشي وهذا ممكن عقلا وقدرة وذكر في جنائز الخلاصة يكره قطع الحطب والحشيش الرطب من القبر من غير حاجة اى لأنه يسبح وفي الملتقط مقبرة قديمة لم يبق من آثارها شئ ليس للناس ان ينتفعوا بها ولا بالبناء فيها ولا بإرسال الدابة في حشيشها قال في فتح القريب المجيب إذا حصلت البركة بتسبيح الجماد فالقرآن الذي هو اشرف الأذكار أولى بحصول البركة ولا سيما إذا كان من رجل صالح ولهذا استحب العلماء قراءة القرآن عند القبر . وهل يغرس الريحان أو الجريد على باب منزل القبر أو على قافية اللحد . الجواب انه ورد في الحديث مطلقا فيحصل المقصود بأي موضع غرس في القبر . وكان عليه السلام يخطب مستندا إلى جذع فصنع رجل منبرا ثلاث درجات وأراد النبي عليه السلام ان يقوم على المنبر فحنّ الجذع فرجع النبي عليه السلام اليه ووضع يده عليه وقال ( اختر ان أغرسك في المكان الذي كنت وتكون كما كنت وان شئت أغرسك في الجنة فتشرب من أنهارها وعيونها فيحسن نبتك وتثمر فيأكل أولياء اللّه من ثمرك ) فاختار الجنة والدار الآخرة على الدنيا فلما قبض النبي عليه السلام رفع إلى مكان ففنى وأكلته الأرضة وقيل دفن كما قال في المثنوى