الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

144

تفسير روح البيان

اى من قرى النفوس أَمَرْنا مُتْرَفِيها وهي النفوس الامارة بالسوء فَفَسَقُوا فِيها اى فخرجوا عن قيد الشريعة ومتابعة الأنبياء بمتابعة الهوى واستيفاء شهوات النفس فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ اى فوجيت لها الشقاوة بمخالفة الشريعة فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً بابطال استعداد قبول السعادة إذ صارت النفس مرقومة بر قوم الشقاوة الأبدية وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ اى أبطلنا حسن استعدادهم لقبول السعادة برد دعوة الأنبياء عليهم السلام وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ إذ لم يقبلوا دعوة الأنبياء خَبِيراً بَصِيراً فإنه المقدر في الأزل المدبر إلى الأبد أسباب سعادة عباده وأسباب شقاوتهم انتهى مَنْ كانَ [ هر كه باشد از روى خساست همت ] يُرِيدُ بأعماله الْعاجِلَةَ الدار الدنيا فقط اى ما فيها من فنون مطالبها وهم الكفرة والفسقة وأهل الرياء والنفاق والمهاجر للدنيا والمجاهد لمحض الغنيمة والذكر عَجَّلْنا لَهُ فِيها اى في تلك العاجلة ما نَشاءُ تعجيله له من نعيمها لا كل ما يريد فان الحكمة لا تقتضى وصول كل واحد إلى جميع ما يهواه لِمَنْ نُرِيدُ تعجيل ما نشاء له فإنها لا تقتضى وصول كل طالب إلى مرامه فان اللّه تعالى يبتلى بعض العباد بالطلب من غير حصول المطلوب وبعضهم يبتلى به بحصول المطلوب المشروط به اما مقارنا لطلبه واما بعده لان وقت الطلب قد يفارق وقت حصول المطلوب فيحصل الطلب في وقت والمطلوب في وقت وبعضهم لا يبتلى بالطلب بل يصل اليه الفيض بلا طلب فالأول طلب ولا شئ . والثاني طلب وشئ . والثالث شئ ولا طلب قوله لِمَنْ نُرِيدُ بدل من الضمير في له با عادة الجار بدل البعض فإنه راجع إلى الموصول المنبئ عن الكثرة ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ مكان ما عجلنا له جَهَنَّمَ وما فيها من أصناف العذاب يَصْلاها يدخلها وهو حال من الضمير المجرور مَذْمُوماً ملوما لان الذم اللوم وهو خلاف المدح والحمد يقال ذممته وهو ذميم غير حميد كما في بحر العلوم مَدْحُوراً مطرودا من رحمة اللّه تعالى فان الدحر الطرد والابعاد وَمَنْ [ هر كه از روى علو همت ] أَرادَ بالأعمال الْآخِرَةَ الدار الآخرة وما فيها من النعيم المقيم وَسَعى لَها سَعْيَها اى السعي اللائق بها وهو الإتيان بما امر والانتهاء عما نهى لا التقرب بما يخترعون بآرائهم وفائدة اللام اعتبار النية والإخلاص فإنها للاختصاص وَهُوَ مُؤْمِنٌ اى والحال انه مؤمن ايمانا صحيحا لا شرك معه ولا تكذيب فإنه العمدة فَأُولئِكَ الجامعون الشرائط الثلاثة من إرادة الآخرة والسعي الجميل لها والايمان كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً مقبولا عند اللّه تعالى بحسن القبول مثابا عليه فان شكر اللّه الثواب على الطاعة وفي تعليق المشكورية بالسعي دون قرينيه اشعار بأنه العمدة فيها اعلم أن اللّه تعالى خلق الإنسان مركبا من الدنيا والآخرة ولكل جزء منهما ميل وإرادة إلى كله ليتغذى منه ويتقوى ويتكمل به ففي جزئه الدنيوي وهو النفس طريق إلى دركات النيران وفي جزئه الأخروي وهو الروح طريق إلى درجات الجنان وخلق القلب من هذين الجزءين وله طريق إلى ما بين إصبعي الرحمن إصبع اللطف وإصبع القهر فمن يرد اللّه به ان يكون مظهر قهره أزاغ قلبه وحول وجهه إلى الدنيا فيريد العاجلة ويربى بها نفسه إلى أن تبلغه إلى دركات جهنم البعد ويصلى نار القطيعة ومن يرد اللّه به ان يكون مظهر لطفه أقام قلبه وحول وجهه إلى عالم العلو