الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

109

تفسير روح البيان

كلما التفت رآه فقال له جبريل ألا أعلمك كلمات تقولهن إذا أنت قلتهن طفئت شعلته وخر لفيه فقال عليه السلام ( بلى ) فقال جبريل قل أعوذ بوجه اللّه الكريم وبكلمات اللّه التامات اللاتي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن فتن الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار الا طارقا يطرق بخير يا رحمن فقال عليه السلام ( ذلك ) فانكب لفيه وطفئت شعلته ورآى صلى اللّه عليه وسلم حال المجاهدين في سبيل اللّه اى كشف له عن حالهم في دار الجزاء بضرب مثال . فرأى قوما يزرعون ويحصدون من ساعته وكلما حصدوا عاد كما كان فقال ( يا جبرائيل ما هذا ) قال هؤلاء المجاهدون في سبيل اللّه تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف وما أنفقوا من خير فهو يخلفه والمراد تكرير الجزاء لهم * ونادى مناد عن يمينه يا محمد أنظرني أسألك فلم يجبه فقال ( ما هذا يا جبريل ) فقال هذا داعى اليهود أما انك لو أجبته لتهودت أمتك اى لتمسكوا بالتوراة والمراد غالب الأمة * ونادى مناد عن يساره كذلك فلم يجبه فقال ( ما هذا يا جبريل ) فقال هذا داعى النصارى أما انك لو أجبته لتنصرت أمتك اى لتمسكوا بالإنجيل * وكشف له عليه السلام عن حال الدنيا بضرب مثال فرأى امرأة حاسرة عن ذراعيها لان ذلك شأن المقتنص لغيره وعليها من كل زينة خلقها اللّه تعالى ومعلوم ان النوع الواحد من الزينة يجلب القلوب اليه فكيف بوجود سائر أنواع الزينة : قال الحافظ خوش عروسيست جهان از سر صورت ليكن * هر كه پيوست بدو عمر خودش كابين داد : وقال از ره مرو بعشوهء دنيى كه اين عجوز * مكاره مىنشيند ومحتاله مىرود فقالت يا محمد أنظرني أسألك فلم يلتفت إليها فقال ( من هذه يا جبريل ) فقال تلك الدنيا أما انك لو أجبتها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة ورأى صلى اللّه عليه وسلم على جانب الطريق عجوزا فقالت يا محمد أنظرني فلم يلتفت إليها فقال ( من هذه يا جبريل ) فقال إنه لم يبق شئ من عمر الدنيا الا ما بقي من عمر تلك العجوز وفي كلام بعضهم قد يقال لها شابة وعجوز بمعنى يتعلق بذاتها وبمعنى يتعلق بغيرها . الأول وهوانها من أول وجود هذا النوع الإنساني إلى أيام إبراهيم عليه السلام تسمى الدنيا شابة وفيما بعد ذلك إلى بعثة نبينا عليه السلام كهلة ومن بعد ذلك إلى يوم القيامة تسمى عجوزا وهذا بالنسبة إلى القرن الإنساني والا فقد خلق آدم عليه السلام والدنيا عجوز ذهب شبابها ونضارتها كما ورد في بعض الأخبار فان قلت الشباب ومقابله انما يكون في الحيوان قلت الغرض من ذلك التمثيل وكشف له عليه السلام عن حال من يقبل الأمانة مع عجزه عن حفظها بضرب مثال فاتى على رجل جمع حزمة حطب عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها فقال ( ما هذا يا جبريل ) قال هذا الرجل من أمتك يكون عنده أمانات الناس لا يقدر على أدائها ويريدان يتحمل عليها قيل « اتقوا الواوات » اى اتقوا مدلولات الكلمات التي أولها وأو كالولاية والوزارة والوصاية والوكالة والوديعة وكشف له عن حال من ترك الصلاة المفروضة في دار الجزاء فاتى على قوم ترضخ رؤسهم كلما رضخت عادت كما كانت فقال