الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

103

تفسير روح البيان

ابن مريم عليهما السلام بانسلاخه عن الأكوان وعروجه بجسم إلى الملأ الأعلى مناقضا للعادات البشرية وأطوارها . وادخل الباء للمناسبة بين العبودية التي هي الذلة والتواضع وبين الباء التي هي حرف الخفض والكسر فان كل ذليل منكسر وفيه إشارة إلى شرف مقام العبودية حتى قال الامام في تفسيره ان العبودية أفضل من الرسالة لان بالعبودية ينصرف من الخلق إلى الحق فهي مقام الجمع وبالرسالة ينصرف من الحق إلى الخلق فهي مقام الفرق والعبودية ان يكل أموره إلى سيده فيكون هو المتكفل بإصلاح مهامه والرسالة التكفل بمهام الأمة وشتان ما بينهما قال الشيخ الأكبر قدس سره ان معراجه عليه السلام اربع وثلاثون مرة واحدة بجسده والباقي بروحه رؤيا رآها اى قبل النبوة وبعدها وكان الاسراء الذي حصل له قبل ان يوحى اليه توطئة له وتيسيرا عليه كما كان بدأ نبوته الرؤيا الصادقة والذي يدل على أنه عليه السلام عرج مرة بروحه وجسده معا قوله اسرى بعبده فان العبد اسم للروح والجسد جميعا وأيضا ان البراق الذي هو من جنس الدواب انما يحمل الأجساد وأيضا لو كان بالروح حال النوم أو حال الفناء أو الانسلاخ لما استبعده المنكرون إذ المتهيئون من جميع الملل يحصل لهم مثل ذلك ويتعارفونه بينهم قال الكاشفي [ آنانكه درين قصه ثقل جسد را مانع دانند از صعود أرباب بدعت‌اند ومنكر قدرت ] آنكه سرشت تنش از جان بود * سير وعروجش بتن آسان بود وقد ذكروا ان جبريل عليه السلام أخذ طينة النبي صلّى اللّه عليه وسلم فعجنها بمياه الجنة وغسلها من كل كثافة وكدورة فكأن جسده الطاهر كان من العالم العلوي كروحه الشريف فان قلت ففيم اسرى به قلت قال صلّى اللّه عليه وسلم ( اسرى بي في قفص من لؤلؤ فراشه من ذهب ) كما في بحر العلوم لَيْلًا نصب على الظرف وهو تأكيد إذا الاسراء في لسان العرب لا يكون الا ليلا حتى لا يتخيل انه كان نهارا ولا يظن أنه حصل بروحه أو لإفادة تقليل مدة الاسراء في جزء من الليل لما في التنكير من الدلالة على البعضية من حيث الافراد فان قولك سرت ليلا كما يفيد بعضية زمان سيرك من الليالي يفيد بعضيته من فرد واحد منها بخلاف ما إذا قلت سرت الليل فإنه يفيد استيعاب السير له جميعا فيكون معيارا للسير لا ظرفاله وهي ليلة سبع وعشرين من رجب ليلة الاثنين وعليه عمل الناس قالوا إنه عليه السلام ولد يوم الاثنين وبعث يوم الاثنين واسرى به ليلة الاثنين وخرج من مكة يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين ومات يوم الاثنين ولعل سره ان يوم الاثنين إشارة إلى التعين الثاني الذي هو مبدأ الفياضية ونظيره الباء كما أن الباء من الحروف الهجائية له التعين الثاني فكذا يوم الاثنين فكان الألف ويوم الأحد بمنزلة تعين الذات والباء ويوم الاثنين اى تعينهما بمنزلة تعين الصفات فافهم وفي وصف هذه الليلة : قال المولى الجامي قدس سره ز قدر أو مثالي ليلة القدر * ز نور أو براتى ليلة البدر سواد طره‌اش خجلت ده حور * بياض غره‌اش نور على نور نسيمش جعد سنبل شانه كرده * هوايش أشك شبنم دانه كرده