الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
38
تفسير روح البيان
الملكوت ثم الانتقال إلى الركوع إشارة إلى عبوره من عالم الملكوت إلى عالم الجبروت ثم الانتقال إلى السجدة إشارة إلى عبوره من عالم الجبروت والوصول إلى عالم اللاهوت وهو مقام الفناء الكلى وعند ذلك يحصل الصعود إلى وطنه الأصلي العلوي فالانتقالات تصعد في صورة التنزل ثم القيام من السجدة إشارة إلى حالة البقاء فإنه رجوع إلى القهقرى وفيه تنزل في صورة التصعد والركوع مقام قاب قوسين وهو مقام الصفات اى الذات الواحدية والسجدة مقام أو أدنى وهو مقام الذات الأحدية ومن هذا التفصيل عرفت ما في التأويلات من الصعود والهبوط مرة بالدعوة من العلم إلى الوجود ومرة بالدعوة من الوجود إلى العلم فإذا لم يقطع السالك عقبات العروج والنزول فهو ناقص وفي برزخ بالنسبة إلى من قطعها كلها وتلك العقبات هي تعينات الأجسام والأرواح والعلم والعين على حسب تفصيل المراتب فيها فانظر إلى قوله تعالى لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تجد الإشارة إلى أن الهوية الذاتية لا يمسها الا المطهرون من دنس تعلق كل تعين روحانيا كان أو جسمانيا واللّه المعين قال في التأويلات وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فلما جعل اللّه دعوة الخلق من العلم إلى الفعل ومن الوجود إلى العدم والعلم عامة جعل الهداية بالمشيئة إلى العلم وهي الصراط المستقيم خاصة يعنى هو يهديهم بالجذبة الكاملة إلى علمه القديم بمشيئته الأزلية خاصة وهذا مقام السير في اللّه باللّه انتهى كلامه لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا أعمالهم اى عملوها على الوجه اللائق وهو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي وقد فسره رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم بقوله ( ان تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) يقول الفقير العبادة على وجه رؤية اللّه تعالى وشهوده والحضور معه لا تكون إلا بعد غيبوبة الغير عن القلب وارتفاع ملاحظته جدا فيأول المعنى إلى قولنا للذين أخلصوا أعمالهم عن الرياء وقلوبهم عن غير اللّه تعالى الْحُسْنى اى المثوبة الحسنى وهي في اللغة تأنيث الأحسن والعرب تطلق هذا اللفظ على الخصلة المرغوب فيها وَزِيادَةٌ اى وما يزيد على تلك المثوبة تفضلا لقوله تعالى وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ فالمثوبة ما أعطاه اللّه في مقابلة الأعمال والزيادة ما أعطاه اللّه لا في مقابلتها والكل فضل عندنا وقيل الحسنى مثل حسناتهم والزيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وأكثر جمهور المحققين على أن الحسنى الجنة والزيادة اللقاء والنظر إلى وجه اللّه الكريم وفي الحديث ( إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول اللّه تعالى تريدون شيأ أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار قال فيكشف لهم الحجاب فما أعطوا شيأ أحب إليهم من النظر إلى ربهم ثم تلا هذه الآية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) رواه مسلم والترمذي والنسائي فان قيل لم سمى اللّه الرؤية زيادة والجنة الحسنى والنظر إلى وجهه أكبر من الجنة والزيادة في الدنيا تكون أقل من رأس المال قيل المراد بالزيادة في الآية الزيادة الموعودة والموعودة الجنة فالزيادة هاهنا ليست من جنس المزيد عليه وهي الجنة ودرجاتها فالزيادة من العزيز الأكبر أكبر وأعز كما أن الرضوان من الكريم الأجود أكبر وأجل وفي الخبر ( ان أهل الجنة إذا رأوا الحق نسوا نعيم الجنة ) وهذه الرؤية بعين الرأس واما في الدنيا فبعين العين لغير نبينا صلى اللّه تعالى عليه وسلم كما سبق عند قوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ الآية وانما تحصل بارتفاع الموانع وهي حجب التعينات جسمانية أو روحانية : قال الحافظ