الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

356

تفسير روح البيان

تعالى قال ولم آكل أربعين يوما ولم ادخل على الجنيد وخرجت ولم اشرب وكنت على طهارتى فرأيت ظبيا في البرية على رأس بئر وهو يشرب وكنت عطشان فلما دنوت من البئر ولى الظبي وإذا الماء في أسفل البئر فمشيت وقلت يا سيدي مالي عندك محل هذا الظبي فسمعت من خلفي يقال جربناك فلم تصبر ارجع فخذ الماء ان الظبي جاء بلا ركوة ولا حبل وأنت جئت ومعك الركوة والحبل فرجعت فإذا البئر ملآن فملأت ركوتى فكنت اشرب منها وأتطهر إلى المدينة ولم ينفد الماء فلما رجعت من الحج دخلت الجامع فلما وقع بصر الجنيد علىّ قال لو صبرت لنبع الماء من تحت قدمك والإشارة في الآية ان للّه تعالى دعاة يدعون الخلق بالحق إلى الحق والذين يدعون لغير الحق لا يقبلون النصح إذا خرج من القلب الساهي ولا يتأثر فهم كمن بسط يده إلى الماء إراءة للخلق بان يريد شربه وما هو ببالغه اى فمه فلا يحصل الشرب على الحقيقة وان توهم الخلق انه شارب وهذا مثل ضربه اللّه للدعاة من أهل الأهواء والبدع يدعون الخلق إلى اللّه لغير اللّه فلا يستجابون على الحقيقة وان استجيبوا في الظاهر لأنهم استجابوا لهم على الضلال يدل عليه قوله وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ الخلق عن الحق كما في التأويلات النجمية ترسم نرسى بكعبه اى أعرابي * كاين ره كه تو ميروى بتركستانست وَلِلَّهِ يَسْجُدُ حقيقة وهو بوضع الجبهة على الأرض مَنْ فِي السَّماواتِ يعنى الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء وأهل الدرجات من المؤمنين وَالْأَرْضِ من الملائكة والمؤمنين من الثقلين طَوْعاً حال اى طائعين حالتي الشدة والرخاء وَكَرْهاً اى كارهين حالة الشدة والضرورة وذلك من الكافرين والمنافقين والشياطين ويقال من ولد في الإسلام طوعا ومن سبى من دار الحرب كرها وفي الحديث ( عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل ) وفيه إشارة إلى أن من أهل المحبة والوفاء من يطلب لدخول الجنة فيأبى ذلك طلبا للقيام بالخدمة فتوضع في أعناقهم السلاسل من الذهب فيدخلون بها الجنة : قال الكمال الخجندي نيست ما را غم طوبى وتمناى بهشت * شيوهء مردم نا أهل بود همت پست وَظِلالُهُمْ على حذف الفعل اى ويسجد ظلال أهل السماوات والأرض بالعرض اى تبعا لذي الظل ويجوز ان يراد بالسجود معناه المجازى وهو انقيادهم لاحداث ما اراده اللّه فيهم شاؤوا أو كرهوا وانقياد ظلالهم لتصريفه إياها بالمد والتقليص ونقلها من جانب إلى جانب فالكل مذلل ومسخر تحت الاحكام والتقدير بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ الغدو جمع غداة وهي البكرة والآصال جمع أصيل وهو العشى من حين زوال الشمس إلى غيبوبتها كما في بحر العلوم وقال في الكواشي وغيره الأصيل ما بين العصر وغروب الشمس والباء بمعنى في ظرف ليسجد اى يسجد في هذين الوقتين والمراد بهما الدوام لان السجود سواء أريد به حقيقته أو الانقياد والاستسلام لا اختصاص له بالوقتين وتخصيصهما مع أن انقياد الظلال وميلانها من جانب إلى جانب وطولها بسبب انحطاط الشمس وقصرها بسبب ارتفاعها لا يختص بوقت دون وقت بل هي مستسلمة منقادة للّه تعالى في عموم الأوقات لان الظلال انما تعظم وتكثر فيهما قال في التأويلات النجمية وظلالهم اى نفوسهم فان النفوس ظلال الأرواح وليس السجود بالطوع من شأن النفوس لان النفس