الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

260

تفسير روح البيان

ذلِكُما اى ذلك التأويل والاخبار بالمغيبات أيها الفتيان مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي بالوحي والإلهام وليس من قبل التكهن والتنجم وذلك أنه لما نبأهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل ان يأتيهما ويصفه لهما ويقول اليوم يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت وكم تأكلان فيجدان كما اخبر هما قالا هذا من فعل العرافين والكهان فمن اين لك هذا العلم فقال ما انا بكاهن وانما ذلك العلم مما علمني ربى وفيه دلالة على أن له علوما جمة ما سبمعاه قطعة من جملتها وشعبة من دوحتها وكأنه قيل لما ذا علمك ربك تلك العلوم البديعة فقيل إِنِّي اى لانى تَرَكْتُ رفضت مِلَّةَ قَوْمٍ أي قوم كان من قوم مصر وغيره لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والمراد بتركها الامتناع عنها رأسا لا تركها بعد ملابستها وانما عبر عنه بذلك لكونه ادخل بحسب الظاهر في اقتدائهما به عليه السلام وَهُمْ بِالْآخِرَةِ وما فيها من الجزاء هُمْ كافِرُونَ على الخصوص دون غيرهم لافراطهم في الكفر قال في بحر العلوم هذا التعليل من أبين دليل على أن افعال اللّه معللة بمصالح العباد كما هو رأى الحنفية مع أن الأصلح لا يكون واجبا عليه قالوا وما ابعد عن الحق قول من قال إنها غير معللة بها فان بعثة الأنبياء لاهتداء الخلق واظهار المعجزات لتصديقهم وأيضا لو لم يفعل لغرض يلزم العبث تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا انتهى قال في التأويلات النجمية يعنى لما تركت هذه الملة علمني ربى وفيه إشارة إلى أن القلب مهما ترك ملة النفس والهوى والطبيعة علمه اللّه علم الحقيقة وملتهم انهم قوم لا يؤمنون باللّه لان النفس تدعى الربوبية كما قال نفس فرعون انا ربكم الأعلى والهوى يدعى الألوهية كما قال تعالى أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ والطبيعة هي التي ضد الشريعة وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ عرف شرف نسبه وانه من أهل بيت النبوة لتتقوى رغبتهما في الاستماع منه والوثوق عليه وكان فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب امرا مشهورا في الدنيا فإذا ظهر انه ولدهم عظموه ونظروا اليه بعين الإجلال وأخذوا منه ولذلك جوز للعالم إذا جهلت منزلة في العلم ان يصف نفسه ويعلم الناس بفضله حتى يعرف فيقتبس منه وينتفع به في الدين وفي الحديث ( ان اللّه يسأل الرجل عن فضل علمه كما يسأل عن فضل ماله ) وقدم ذكر ترك ملة الكفرة على ذكر اتباعه لملة آبائه لان التخلية بالمعجمة متقدمة على التحلية بالمهملة . وفيه إشارة إلى أن الاتباع سبب للفوز بالكمالات والظفر بجميع المرادات والإشارة ان ملة إبراهيم السر وإسحاق الخفاء ويعقوب الروح التوحيد والمعرفة ما كانَ اى ما صح وما استقام فضلا عن الوقوع لَنا معاشر الأنبياء لقوة نفوسنا ووفور علومنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي شئ كان من ملك أو جنى أو انسى فضلا عن الجماد الذي لا يضر ولا ينفع ذلِكَ التوحيد المدلول عليه بقوله ما كان لنا إلخ ناشئ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا بالوحي يعنى [ بوحي ما را آگاهى داده ] وَعَلَى النَّاسِ كافة بواسطتنا وارسالنا لارشاهم إذ وجود القائد للأعمى رحمة من اللّه أية رحمة وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ المبعوث إليهم لا يَشْكُرُونَ هذا فيعرضون عنه ولا ينتهون ولما كان الأنبياء وكمل الأولياء وسائط بين اللّه وخلقه لزم شكرهم تأكيدا للعبودية وقياما