الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
150
تفسير روح البيان
فلا حاجة إلى الاحتراز منه وثالثا بأنه على طريق العدل في عالم الكثرة الذي هو ظل وحدته فلا يسلط أحدا على أحد الا عن استحقاق لذلك بسبب ذنب وجرم ولا يعاقب أحدا من غير زلة ولو صغيرة نعم قد يكون لتزكية ورفع درجة فالمستفاد في ضمن ذلك كله نفى القدرة عنهم وعن آلهتهم فلا حول ولا قوة الا باللّه واللّه تعالى لا يظلم الناس مثقال ذرة وما يرى في صورة الظلم فمن خفأ سره وحكمته والعارف ينظر إلى الاسرار الإلهية ويحمل الوقائع على الحكم - حكى - انه كان رجل سقاء بمدينة بخارى يحمل الماء إلى دار صائغ مدة ثلاثين سنة وكان للذلك الصائغ زوجة صالحة في نهاية الحسن والبهاء فجاء السقاء على عادته يوما وأخذ بيدها وعصرها فلما جاء زوجها من السوق قالت ما فعلت اليوم خلاف رضى اللّه تعالى فقال ما صنعت فألحت فقال جاءت امرأة إلى دكانى وكان عندي سوار فوضعته في ساعدها فاعجبنى بياض يدها فعصرتها فقالت اللّه أكبر هذه حكمة خيانة السقاء اليوم فقال الصائغ أيتها المرأة انى تبت فاجعلينى في حل فلما كان من الغد جاء السقاء وتاب وقال يا صاحبة المنزل اجعليني في حل فان الشيطان قد أضلني فقالت امض فان الخطأ لم يكن إلا من الشيخ الذي في الدكان فاقتص اللّه منه في الدنيا وأمثال ذلك من عدل اللّه تعالى فليكن العباد على العدالة خصوصا الحكام والسلاطين فان العدل ينفع في الدنيا والآخرة - حكى - ان ذا القرنين سأل من ارستطاليس أي شئ أفضل للملوك الشجاعة أم العدل فقال إذا عدل السلطان لم يحتج إلى الشجاعة فمن آمن بالملك الديان وخشي من عذابه كل آن فقد عدل واحترز عن الظلم والطغيان وفاز بالدرجات في أعلى الجنان والا فقد عرض نفسه لعذاب النيران بل ولعذاب الدنيا أيضا على أشد ما كان ألا ترى إلى قوله تعالى حكاية وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ مع ماله من أنواع اللعنة : قال السعدي قدس سره نماند ستمكار بد روزكار * بماند برو لعنت پايدار خنك روز محشر تن دادكر * كه در سايهء عرش دارد مقر وَلَمَّا [ آن هنكام كه ] جاءَ أَمْرُنا اى عذابنا فيكون واحد الأمور أو أمرنا بالعذاب فيكون مصدر امر نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وكانوا أربعة آلاف بِرَحْمَةٍ عظيمة كائنة مِنَّا اى نجيناهم بمجرد رحمة وفضل لا بأعمالهم لأنه لا ينجو أحد وان اجتهد في الأعمال والعمل الصالح الا برحمة اللّه تعالى كما هو مذهب أهل السنة وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ شديد وهو تكرير لبيان ما نجيناهم منه اى كانت تلك التنجية نتجية من عذاب غليظ وهي السموم التي كانت تدخل أنوف الكفرة وتخرج من ادبارهم فتقطعهم اربا اربا وقد سبق تفصيل القصة في سورة الأعراف فارجع إليها وفيه إشارة إلى أن العذاب نوعان خفيف وغليظ فالخفيف هو عذاب الشقاوة المقدرة قبل خلق الخلق والغليظ هو عذاب الشقي بشقاوة معاملات الأشقياء التي تجرى عليه مع شقاوته المقدرة له قبل الوجود كما في التأويلات النجمية - روى - ان اللّه تعالى لما أهلك عادا ونجى هودا والمؤمنين معه أتوا مكة وعبدوا اللّه تعالى فيها حتى ماتوا قال في انسان العيون كل نبي من الأنبياء كان إذا كذبه قومه خرج