الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

122

تفسير روح البيان

وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ اى المصرين على الكفر وهو اقناط له عليه السلام من ايمانهم واعلام لكونه كالمحال الذي لا يصح توقعه إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ الا من قد وجد منه ما كان يتوقع من إيمانه وقد للتوقع وقد أصابت محزها وقال المولى أبو السعود رحمه اللّه هذا الاستثناء على طريقة قوله تعالى إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ وقد سبق في أواخر سورة النساء وقال سعدى المفتى ان قيل من قد آمن لا يحدث الايمان بل يستمر عليه فكيف صح اتصال الاستثناء قلنا قد تقرر ان لدوام الأمور المستمرة حكم الابتداء ولهذا لو حلف لا البس هذا الثوب وهو لا بسه فلم ينزعه في الحال يحنث ومبنى الايمان على العرف وقال القطب العلامة إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ قد استعد للايمان وتوقع منه ولا يراد الايمان بالفعل والا لكان التقدير الا من قد آمن فإنه يؤمن فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ هو تفتعل من البؤس ومعناه الحزن في استكانة وهي الخضوع اى لا تحزن حزن بائس مستكين ولا تغتم بما كانوا يتعاطون من التكذيب والإيذاء في هذه المدة الطويلة فقد انتهى أفعالهم وحان وقت الانتقام منهم وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال ( ان نوحا كان إذا جادل قومه ضربوه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ) انتهى ولما جاء هذا الوحي من عند اللّه تعالى دعا عليهم فقال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً : وفي المثنوى ناحمولى أنبيا را از امر دان * ور نه حمالست بدرا حلمشان طبع را كشتند اندر حمل بد * ناحمولى گر كند از حق بود قال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر أول ما يتخلق المتخلق بعدم التأذى بأذى الأنام باحتماله صبرا وواسطته ان لا يجدهم مؤذين لأنه موحد فيستوى عنده المسيئ والمحسن في حقه وخاتمته ان يرى المسيئ محسنا اليه فإنه عالم بالحقائق متحقق بالتجلي الإلهي وهي بداية التحقيق والإشارة في الآية ان نوح الروح لا يؤمن من قومه الا القلب والسر والبدن وجوارحه فاما النفس فإنها لا تؤمن ابدا اللهم الا نفوس الأنبياء وخواص الأولياء فإنها تسلم أحيانا دون الايمان وحال النفوس كأحوال الاعراب كقوله تعالى قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ فان معدن الايمان القلوب ومظهر الإسلام النفوس لان الإسلام الحقيقي الذي قال تعالى فيه أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ هو ضوء قد انعكس من مرآة القلب المنور بنور الايمان فاما اسلام الاعراب إذ قال تعالى لهم ولما يدخل الايمان في قلوبكم لم يكن ضوأ منعكسا من مرآة القلب المنور ولكن هو ضوء منعكس من النور المودع في كلمة التوحيد والأعمال الصالحة عند إتيانها بالصدق علم أن ايمان الخواص ينزل من الحق تعالى بنظر عنايته على القلوب القابلة للفيض الإلهي بلا واسطة وايمان العوام يدخل في قلوبهم من طريق الإقرار باللسان والعمل بالأركان فَلا تَبْتَئِسْ على نفوس السعداء بِما كانُوا يَفْعَلُونَ من اعمال الشر فإنها لهم كالجسد للاكسير ينقلب ذهبا مقبولا عند طرح الروح فلذلك تنقلب اعمال الشر خيرا عند طرح التوبة عليها كما قال تعالى فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ فَلا تَبْتَئِسْ على نفوس الأشقياء بِما كانُوا يَفْعَلُونَ لأنها حجة اللّه على