الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
98
تفسير روح البيان
العارفين قلت ومن المخلوقين قال من كان شوقه إلى اللّه تعالى سبحان كيف يشتاق إلى غيره قلت فلم اعتزلت عن الخلق قال لأنهم سراق العقول وقطاع طريق الهدى قلت ومتى يعرف العبد طريق الهدى قال إذا هرب إلى ربه من كل شئ سواه واشتغل بذكره عن ذكر ما سواه ولكل سالك خطوة في السلوك إلى ملك الملوك - كما حكى - أيضا عن الشيخ عبد الواحد بن زيد قال قصدت بيت المقدس فضلت الطريق فإذا بامرأة أقبلت الىّ فقلت لها يا غريبة أنت ضالة فقالت كيف يكون غريبا من يعرفه وكيف يكون ضالا من يحبه ثم قالت خذ رأس عصاي وتقدم بين يدي فأخذت رأس عصاها وتقدمت بين يديها ست أقدام أو أقل أو أكثر فإذا انا بمسجد بيت المقدس فدلكت عيني وقلت لعل هذا غلط منى فقالت يا هذا سيرك سير الزاهدين وسيرى سير العارفين فالزاهد سيار والعارف طيار ومتى يلحق السيار بالطيار ثم غابت عنى فلم أرها بعد ذلك فظهر من هذه الحكاية ان للعارف نورا يمشى به إلى حيث شاء والجاهل يبقى في وادي الحيرة ولا يجد سبيلا الا بتوفيق اللّه تعالى وهدايته فكما ان الأعمى والبصير ليسا على سواء فكذلك البصير الجاهل والعالم سواء كان جهله وعلمه في مرتبة الشريعة أو الطريقة أو المعرفة أو الحقيقة فاللّه تعالى باين بين أهل الحال كما باين بين أهل المقال وعظم النور وسعته بالنسبة إلى فسحة القلب ومعرفته فالقلب بيد اللّه تعالى يقلبه كيف يشاء ولذلك زين لأهل الايمان وجوه الخير والطاعات وزين لأهل الكفر صنوف الشر والسيئات لكن العباد ليسوا بمجبورين فلهم اختيار في الخروج من الظلمات فإذا لم يصرفوا استعداداتهم إلى ما خلقوا لأجله بقوا في ظلمات الطبيعة والنفس هذا هو الكلام بالنسبة إلى ظاهر الحال واما ان نظرت إلى اسناد الاحياء والجعل في الآية المذكورة إلى اللّه تعالى فمقتضى التوحيد ان الكل بيد اللّه ولا تأثير الا من عند اللّه فان وجدت خيرا فلتحمد اللّه كثيرا فقد سبقت لك العناية وساعدك التوفيق فرب تقليد يوصل إلى التحقيق واللّه الهادي وَكَذلِكَ اى كما صيرنا في مكة فساقها أكابر جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ متعلق بالفعل أَكابِرَ مفعول ثان جمع أكبر بمعنى عظيم مُجْرِمِيها مفعول أول جمع مجرم . بالفارسية [ كنهكار ] لِيَمْكُرُوا فِيها اى ليفعلوا المكر في تلك القرية لأنهم لأجل رياستهم أقدر على المكر والغدر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم وكان صناديد قريش ومجرموها اجلسوا على كل طريق من طرق مكة أربعة نفر ليصرفوا الناس عن الايمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم يقولون لكل من تقدم إياك وهذا الرجل فإنه كاهن ساحر كذاب * قال البغوي وذلك سنة اللّه تعالى ان جعل في كل قرية اتباع الرسل ضعفاءهم كما قال في قصة نوح أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ وجعل فساقهم أكابرها ليمكروا فيها والمكر السعي بالفساد في خفية ومداجاة والآية تسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ لان وباله عليهم وَما والحال انهم لا يَشْعُرُونَ بذلك أصلا بل يزعمون أنهم يمكرون بغيرهم وَإِذا جاءَتْهُمْ لما بين ان فساق كل قرية يكونون رؤساءها المتميزين بكثرة المال والجاء بين ما كان من رؤساء مكة من الجرم والفسق وهو انه إذا جاءتهم آيَةٌ دالة على صحة النبوة قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ