الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

78

تفسير روح البيان

والآخر هو النور المطلق الأصلي ولهذا تمم فقال يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ اى يهدى اللّه بنوره المتعين في المظاهر والساري فيها إلى نوره المطلق الاحدى فإنما تتعذر الرؤية والإدراك باعتبار تجرد الذات عن المظاهر والنسب والإضافات فاما في المظاهر ومن ورائية حجابية المراتب فالادراك ممكن كما قيل كالشمس تمنعك اجتلاءك وجهها * فإذا اكتست برقيق غيم أمكنا وإلى مثل هذا أشار النبي صلى اللّه عليه وسلم في بيان الرؤية الجنانية المشبهة برؤية الشمس والقمر فأخبر عن أهل الجنة انهم يرون ربهم وانه ليس بينه وبينهم حجاب الا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن فنبه صلى اللّه عليه وسلم على بقاء الرتبة الحجابية وهي رتبة المظهر وتحقيقه ان أهل الاعتزال بالغوا في نفى الرؤية واستدلوا على مذهبهم بما ورد في الصحيحين عن أبي موسى ( جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين ان ينظروا إلى ربهم الا رداء الكبرياء على وجهه ) قالوا إن الرداء حجاب بين المرتدي والناظرين فلا تمكن الرؤية وجوابهم انهم حجبوا وان المرتدي لا يحتجب عن الحجاب إذ المراد بالوجه الذات وبرداء الكبرياء هو العبد الكامل المخلوق على الصورة الجامعة للحقائق الامكانية والإلهية والرداء هو الكبرياء وإضافته للبيان والكبرياء رداؤه الذي يلبسه عقول العلماء باللّه يقول الفقير في شرح هذا المقام قوله ولكنهم حجبوا إلخ وذلك لان المرآة لا تكون حجابا للناظر كما أن اللباس كذلك بالنسبة إلى البدن نفسه إذ لا واسطة بينهما فالرداء من المرتدي بمنزلة المرآة من النظر وكذا المرتدي من الرداء بمنزلة الناظر من المرآة إذ المراد بالوجه الذات بطريق اطلاق اسم الجزء على الكل فالمرتدى وهو الذات لا يحتجب عن حجابه وانما يحتجب به عن الغير كالقناع للعروس فإنه كشف بالإضافة إليها وحجاب بالنسبة إلى غيرها وبرداء الكبرياء إلخ الحقيقة المحمدية التي هي حقيقة الحقائق ولكل موجود حصة من تلك الحقيقة بقدر قابليته لكنها في نفسها حقيقة واحدة وهو الوجود العام الشامل كالحيوان الناطق فإنه معنى واحد عام شامل لجميع الافراد وكثرته بالنسبة إلى تلك الافراد لا تنافى وحدته الحقيقة فمعنى قوله عليه السلام وما بين القوم وبين ان ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه حقيقة كل منهما التي تجلى الذات فيها بحسب صفاء مرآتها ومعرفتها وتلك الحقيقة ليست بحجاب بين القوم وبين الذات الأحدية إذ ما وراء تلك الحقيقة مع قطع النظر عن التجلي فيها وكونها مرآة له اطلاق صرف لا يتعلق به رؤية رداء أيا كان فكل ناظر ينكشف له جمال الذات من حقيقة نفسه فينظر اليه من تلك الحقيقة وهي ليست بحجاب للنظر ولا للذات إذ هي كالمرآة فالنظر الظاهري قيد تام وما وراء تلك الحقيقة من الذات اطلاق صرف فلا مناسبة بينهما بوجه من الوجوه وتلك الحقيقة بين التقييد والإطلاق برزخ جامع لهما كما قال عليه السلام ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) فالعارف إذ لم يتعلق عرفانه بنفسه الكلية وحقيقته الجامعة لا يتأتى منه عرفان ربه لان ربه مطلق عن القيود والنسب والإضافات وهو بهذا الاعتبار لا تتعلق به المعرفة واما نفسه المتجلى فيها الرب بحقائق أسمائه فتتعلق بها تلك الرؤية من تلك الحيثية فتكون حقيقة نفسه ومعرفتها مرآة معرفة ربه فلا حجاب بين المرتدي وردائه