الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

72

تفسير روح البيان

لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ اى في ظلمات الليل في البر والبحر واضافتها إليهما للملابسة فان الحاجة إلى الاهتداء بها انما تحقق عند ذلك قال الحدادي لتعرفوا بها الطرق من بلد إلى بلد في المفاوز ولجج البحار في الليالي المظلمة في السفن فان من النجوم ما يجعله السائر تلقاء وجهه . ومنها ما يجعله على يمينه . ومنها ما يجعله على يساره . ومنها ما يجعله خلفه ليظهر له الطريقي التي تؤديه إلى بغيته . وللنجوم فوائد اخر وهي انها زينة السماء ورمى الشياطين وغير ذلك قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ اى بينا الآيات الدالة على قدرتنا فصلا فصلا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فإنهم المنتفعون بها وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مع كثرتكم مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ من نفس آدم وحدها فإنه خلقنا جميعا منه وخلق امّنا حواء من ضلع من أضلاع آدم فصار كل الناس محدثة مخلوقة من نفس واحدة حتى عيسى فان ابتداء تكوينه من مريم التي هي مخلوقة من ماء أبويها وانما منّ علينا بهذا لان الناس إذا رجعوا إلى أصل واحد كانوا أقرب إلى أن يألف بعضهم بعضا قال أهل الإشارة ان اللّه تعالى كما خلق آدم ابتداء وجعل أولاده منه كذلك خلق روح محمد صلى اللّه عليه وسلم قبل الأرواح كما قال ( أول ما خلق اللّه روحي ) ثم خلق الأرواح من روحه فكان آدم أبا البشر وكان محمد صلى اللّه عليه وسلم أبا الأرواح واليه يشير قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ كل واحد منهما مصدر ميمى مرفوع على الابتداء والخبر محذوف اى فلكم استقرار في الأصلاب أو فوق الأرض واستيداع في الأرحام أو تحت الأرض وجعل صلب الأب مستقر النطفة ورحم الام مستودعا لها لان النطفة حصلت في صلب الأب لا من قبل الغير وحصلت في رحم الام بفعل الغير فأشبهت الوديعة كأن الرجل أودعها ما كان مستقرا عنده وقال الحسن يا ابن آدم أنت وديعة في أهلك ويوشك ان تلحق بصاحبك وانشد قول لبيد وما المال والأهلون الا وديعة * ولا بد يوما ان ترد الودائع والقلب أيضا من الودائع والأمانات : قال الصائب ترا بگوهر دل كرده‌اند امانتدار * نه دزد امانت حق را نكاه دار مخسب قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ المبينة لتفاصيل خلق البشر من هذه الآية ونظائرها لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ غوامض الدقائق باستعمال الفطنة وتدقيق النظر وانما ذكر مع ذكر النجوم يعلمون ومع ذكر تخليق بني آدم يفقهون لان ذلك إشارة إلى آيات الآفاق وهذا إلى آيات الأنفس ولا شك ان آيات الآفاق اظهر واجلى وآيات الأنفس أدق وأخفى فكان ذكر الفقه لها انسب وأولى لان الفقه عبارة عن الوقوف على المعنى الخفي وأصل تركيب الفقه يدل على الشق والفتح والفقيه العالم الذي يشق الاحكام ويفتش عن حقائقها ويفتح ما استغلق منها فالفقه انما يطلق حيث يكون فيه حذاقة وتدقيق نظر قال الحدادي الفقه في اللغة هو الفهم لمعنى الكلام الا انه قد جعل في العرف عبارة عن علم الغيب على معنى انه استدراك معنى الكلام بالاستنباط من الأصول ولهذا لا يجوز ان يوصف اللّه تعالى بأنه فقيه لأنه لا يوصف بالعلم على جهة الاستنباط ولكنه عالم بجميع الأشياء على وجه أحد انتهى ثم هذه الآيات الآفاقية والانفسية تفصح عن صنع اللّه البديع وتدعو أهل الشرك إلى التوحيد والايمان وأهل الإخلاص إلى الشهود