الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
52
تفسير روح البيان
للشاب عظني بشئ انتفع به فقال نحن أهل المصائب ليس لنا لسان العظة فأقمت عندهما ثلاثة أيام بلياليها لم نأكل فيها شيأ ولم نشرب فلما كان عشية اليوم الثالث قلت في قلبي لا بد من سؤالهما في وصية انتفع بها باقي عمرى فرفع الشاب رأسه الىّ وقال عليك بصحبة من يذكرك اللّه بنظره ويعظك بلسان فعله لا بلسان قوله ثم التفت فلم أرهما وانشد لسان الحال شدوا المطايا قبيل الصبح وارتحلوا * وخلفونى على الاطلال ابكيها ثم إن النصيحة سهلة والمشكل قبولها ومن أراد اللّه تعالى هدايته وسبقت منه له عناية يجذبه لا محالة إلى باب ناصح له في ظاهره وباطنه فبهتدى بنور العظة والتذكير إلى مسالك الوصول إلى اللّه الخبير فيترقى من حضيض هوى النفس التي تلعب كالصبيان إلى أوج هدى الروح الذي له وقار واطمئنان وعلو شأن فهذه الآيات الكريمة تنادى على داء النفس ودوائها ومن اللّه الإعانة في إصلاحها قُلْ أَ نَدْعُوا أنعبد والاستفهام للانكار مِنْ دُونِ اللَّهِ اى متجاوزين عبادة اللّه تعالى ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا اى ما لا يقدر على نفعنا إذا عبدناه ولا على ضرنا إذا تركناه وهو الأصنام والقادر على النفع والضر هو اللّه تعالى وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا جمع عقب بالفتح وكسر القاف موخر القدم اى نرجع من الإسلام إلى الشرك بإضلال المضل بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ إلى الإسلام وأنقذنا من الشرك كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ حال من فاعل نرد اى أنرد على أعقابنا مشبهين بالذي ذهبت به مردة الجن إلى المهامة وأضلته فِي الْأَرْضِ متعلق باستهوته حَيْرانَ حال من هاء استهوته وهو صفة مشبهة مؤنثه حيرى والفعل منه حاريحار حيرة اى متحيرا ضالا عن الطريق لَهُ أَصْحابٌ الجملة صفة حيران اى لهذا المستوي رفقة يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى اى يهدونه إلى الطريق المستقيم وسماه هدى تسمية للمفعول بالمصدر مبالغة كأنه نفس الهدى ائْتِنا على إرادة القول على أنه بدل من يدعونه اى يقولون له ائتنا شبه اللّه تعالى من أشرك وعبد غير اللّه مع قيام البرهان الفاصل بين الحق والباطل بشخص موصوف بثلاثة أوصاف الأول استهوته مردة الجن والغيلان في المهامة والمفاوز والثاني كونه حيران تائها ضالا عن الجادة لا يدرى كيف يصنع والثالث ان يكون له أصحاب يدعونه قائلين له ائتنا فقد اعتسفت المهامة وضللت عن الجادة وهو لا يجيبهم ولا يترك متابعة الجن والشياطين . والجن أجسام لطيفة تتشكل باشكال مختلفة وتقدر على أن تنفذ في بواطن الحيوان نفوذ الهواء في خلال الأجسام المتخلخلة قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ الذي هدانا اليه وهو الإسلام هُوَ الْهُدى وحده وما عداه ضلال محض وغى بحت وَ قل أيضا أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ اى بان نسلم فاللام بمعنى الباء والعرب تقول أمرتك لتفعل وان تفعل وبان تفعل وَأَنْ اى بان أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ تعالى فالاسلام رئيس الطاعات الروحانية والصلاة رئيس الطاعات الحسمانية والتقوى رئيس ما هو من قبيل التروك والاحتراز عن كل ما لا ينبغي وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ يجمعون يوم القيامة للحساب وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ اى العلويات والسفليات وما فيهما بِالْحَقِّ حال من فاعل خلق اى قائما بالحق والحكمة وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ يوم ظرف