الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
30
تفسير روح البيان
من أول الليل وصمت من أول الشهر إلى آخره وقال المحشى سنان چلبى من زائدة على قول من جوز زيادتها في الموجب واما عند غيره فهي بمعنى في كما في قوله تعالى إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَخَذْناهُمْ الفاء فصيحة تفصح ان الكلام مبنى على اعتبار الحذف اى فكذبوا رسلهم فأخذناهم بِالْبَأْساءِ اى بالشدة والفقر وَالضَّرَّاءِ اى الضر والآفات وهما صيغتا تأنيث لا مذكر لهما لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ اى لكي يدعوا اللّه في كشفها بالتضرع والتذلل ويتوبوا اليه من كفرهم ومعاصيهم فَلَوْ لا هلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا عذابنا تَضَرَّعُوا اى لم يفعلوا ذلك مع قيام المقتضى له فلولا يفيد اللوم والتنديم وذلك عند قيام الداعي إلى الفعل وانتفاء العذر في تركه وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ استدراك على المعنى اى لم يتضرعوا ولكن يبست وجفت قلوبهم ولو كان في قلوبهم رقة وخوف لتضرعوا وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ اى حسن لهم الكفر والمعاصي بان أغواهم ودعاهم إلى اللذة والراحة دون التفكر والتدبر ولم يخطر ببالهم ان ما اعتراهم من البأساء والضراء ما اعتراهم الا لأجله فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ عطف على مقدر اى فانهمكوا فيه ونسوا ما ذكروا به من البأساء والضراء فلما نسوه فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من فنون النعماء على منهاج الاستدراج حَتَّى ابتدائية ومع ذلك غاية لقوله فتحنا إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا اى صاروا معجبين بحالهم . فالفرح فرح البطر كفرح قارون بما أصابه من الدنيا أَخَذْناهُمْ بالعذاب بَغْتَةً اى فجأة ليكون أشد عليهم وقعا وأفظع هو لا كما قال أهل المعاني انهم انما أخذوا في حال الراحة والرخاء ليكون أشد تحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة والعافية فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ متحسرون غاية الحسرة آيسون من كل خير راجون فإذا للمفاجأة . والإبلاس بمعنى اليأس من النجاة عند ورود المهلكة والمعنى الحسرة والحزن فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا اى آخرهم بحيث لم يبق منهم أحد فالدابر يقال للتابع للشئ من خلفه كالولد للوالد يقال دبر فلان القوم يدبر دبرا ودبورا إذا كان آخرهم قال البغوي معناه انهم استؤصلوا بالعذاب فلم يبق منهم باقية ووضع الظاهر موضع الضمير للاشعار بعلة الحكم فان هلاكهم بسبب ظلمهم الذي هو وضع الكفر موضع الشكر وإقامة المعاصي مقام الطاعات وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على إهلاكهم فان هلاك الكفار والعصاة من حيث إنه تخليص لأهل العرض من شؤم عقائدهم الفاسدة وأعمالهم الخبيثة نعمة جليلة يحق ان يحمد عليها لا سيما مع ما فيه من إعلاء كلمة الحق التي نطقت بها رسلهم عليهم السلام وفي الآيات أمور . منها ان اللّه تعالى هو المرجع في كل امر حال الاختيار والاضطرار والعاقل لا يلتجىء إلى غيره تعالى لان ما سوى اللّه آلات وأسباب والمؤثر في الحقيقة هو اللّه تعالى فشأن المؤمن هو النظر إلى بابه والاستعداد من جنابه حال السراء والضراء بخلاف الكافر فإنه يفتح عينيه عند نزول الشدة والمقبول هو الرجوع اختيارا فان العبد المطيع لا يترك باب سيده على كل حال . ومنها ان اللّه تعالى يقلب الإنسان تارة من البأساء والضراء إلى الراحة والرخاء وأنواع الآلاء والنعماء وأخرى يعكس الأمر كما يفعله الأب المشفق بولده