الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

26

تفسير روح البيان

والمجرور في محل الرفع على أنه فاعل اما باعتبار مضمونه اى بعض نبأ المرسلين أو بتقدير الموصوف اى بعض من نبأ المرسلين وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ اى عظم عليك وشق اعراضهم عن الايمان بما جئت به من القرآن وعدم عدهم له من قبيل الآيات وأحببت ان تحبيبهم إلى ما سألوا اقتراحا لحرصك على إسلامهم فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً اى سربا ومنفذا فِي الْأَرْضِ تنفذ فيه إلى جوفها قال ابن الشيخ النفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان آخر ومنه نافقاء اليربوع لان اليربوع يخرق الأرض إلى القعر ثم يصعد من ذلك إلى وجه الأرض من جانب آخر أَوْ سُلَّماً مصعدا فِي السَّماءِ تعرج به فيها فَتَأْتِيَهُمْ منها بِآيَةٍ مما اقترحوه والجواب محذوف اى فافعل وجملة الشرطية الثانية جواب للشرطية الأولى والمقصود بيان حرصه البالغ على اسلام قومه وانه لو قدر ان يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لاتى بها رجاء لايمانهم وإيثار الابتغاء على الاتخاذ ونحوه للايذان بان ما ذكر من النفق والسلم مما لا يستطاع ابتغاؤه فكيف باتخاذه وَلَوْ شاءَ اللَّهُ هدايتهم لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى ولكن لم يشأ ذلك لعدم صرف اختيارهم إلى جانب الهدى مع تمكنهم منه ومشاهدتهم للآيات الداعية اليه فلم يؤمنوا فلا تتهالك عليه فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ بالحرص على ما لا يكون والجزع في مواطن الصبر فان ذلك من دأب الجهلة بدقائق شؤونه تعالى التي من جملتها ما ذكر من عدم تعلق مشيئته تعالى بايمانهم . وفي الآية تربية وتأديب للنبي عليه السلام من اللّه تعالى كما قال عليه السلام ( ان اللّه أدبني فأحسن تأديبى ) لئلا يبالغ في الشفقة على غير أهلها إِنَّما يَسْتَجِيبُ اى يقبل دعوتك إلى الايمان الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ما يلقى إليهم سماع فهم وتدبر دون الموتى الذين هؤلاء منهم : قال الحافظ كوهر پاك ببايد كه شود قابل فيض * ور نه هر سنك وكلى لؤلؤ ومرجان نشود وَالْمَوْتى اى الكفار شبههم بهم في عدم السماع يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ من قبورهم ثُمَّ إِلَيْهِ تعالى لا إلى غيره يُرْجَعُونَ اى يردون للجزاء فحينئذ يستجيبون واما قبل ذلك فلا سبيل اليه وَقالُوا اى رؤساء قريش لَوْ لا تحضيضية بمعنى هلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ كالناقة والعصا والمائدة من الخوارق الملجئة إلى الايمان قُلْ لهم إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً كما اقترحوا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ان نزولها بلاء عليهم لوجوب هلاكهم ان جحدوها اعلم أن الناس في الأديان على أربعة أقسام . سعيد بالنفس والروح في لباس السعادة وهم الأنبياء وأهل الطاعة . والثاني شقى بالنفس في لباس الشقاوة وهم الكفار والمصرون على الكبائر . والثالث شقى بالنفس في لباس السعادة مثل بلعم بن باعورا وبر صيصا وإبليس . والرابع سعيد بالنفس في لباس الشقاوة كبلال وصهيب وسلمان في أوائل أمرهم ثم بدل لباسهم بلباس التقوى والهداية فان قلت ما الحكمة في ان اللّه تعالى خلق الخلق سعيدا وشقيا وقال وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ قلنا قال عبد اللّه بن عمر رضى اللّه عنهما ان اللّه تعالى علم في الأزل ان فلانا في خلقه يعصى لعدم سبق استعداده للسعادة فجعله شقيا لسبق القضاء عليه بمقتضى استعداده في الأعيان الثابتة ومظهرية