الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
188
تفسير روح البيان
وقهروا أهلها بقوتهم التي أعطاها اللّه إياهم وكانت لهم أصنام يعبدونها صداء وصمود والهباء فبعث اللّه إليهم هودا نبيا من أوسطهم في النسب وأفضلهم في الحسب فامرهم ان يوحدوا اللّه ولا يعبدوا غيره وان يكفروا عن ظلم الناس فأبوا عليه وكذبوه وقالوا من أشد منا قوة وازدادوا عتوا وتجبرا فامسك اللّه عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك وكان الناس إذا نزل بهم بلاء وجهد مضوا إلى البيت الحرام بمكة مسلمهم وكافرهم وسألوا اللّه الفرج وكان أهل مكة يومئذ العماليق أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وكان رئيس العماليق يومئذ بمكة رجلا يقال له معاوية بن بكر وكانت أمه من عاد فلما قحط المطر من عاد وجهدوا قالوا جهزوا منكم وفدا إلى مكة يستسقوا فجهزوا قيل بن عتر ومرثد بن سعد في سبعين رجلا فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو في خارج مكة فانزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله واصهاره فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان وهما قينتان لمعاوية اسم إحداهما وردة واسم الأخرى جرادة فغلبت جرادة على وردة فسميتا جرادتين فلما رأى معاوية طول مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوثون من البلاء الذي أصابهم شق ذلك عليه وقال قد هلك أخوالي واصهارى جهدا وعطشا وهؤلاء مقيمون عندي واللّه ما أدرى كيف اصنع بهم استحيى ان آمرهم بالخروج إلى حاجتهم فيظنون ان ذلك لثقل مقامهم على فشكا ذلك إلى قينتيه الجرادتين فقالتا قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قاله لعل ذلك يخرجهم فقال معاوية الا يا قيل ويحك قم فهينم * لعل اللّه يسقينا غماما فيسقى ارض عاد ان عادا * قد أمسوا ما يبينون الكلاما من العطش الشديد فليس ترجو * به الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهمو بخير * فقد أمست نساؤهمو أيامي وان الوحش تأتيهم جهنارا * فلا تخشى لعادى سهاما وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم * نهاركمو وليلكمو التماما فقبح وفدكم من وفد قوم * ولا لقوا التحية والسلاما فلما غنتهم الجرادتان بهذا قال بعضهم لبعض يا قوم لقد أبطأتم على أصحابكم فقوموا وادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم فقال لهم مرثد واللّه لا تسقون بدعائكم ولكن ان أطعتم نبيكم هودا وتبتم إلى اللّه سقيتم واظهر إسلامه فقالوا لمعاوية احبس عنا مرثدا لا يقدمن معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا ثم دخلوا مكة فقام قيل يستسقى في المسجد وقال اللهم إني لم أجئ لمريض فاداويه ولا لأسير فافاديه اللهم اسقنا فانا قد هلكنا اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم وقال القوم اللهم أعط قيلا ما يسألك واجعل سؤلنا مع سؤله فأنشأ اللّه تعالى سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السماء يا قيل اختر لنفسك ولقومك من هذا السحاب ما شئت فقال اخترت السوداء فإنها أكثر السحاب ماء فنودي اخترت دمارا رمدا لا يبقى من آل عاد ولدا ولا شيوخا الا فصاروا همدا ثم ساق اللّه السحابة السوداء التي اختارها قيل بما فيها من النقمة والبلاء إلى عاد حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث فلما رأوها