الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
166
تفسير روح البيان
فعلى السالك الاجتهاد في طلب الحق إلى ظهور كنز الحقيقة فان المطلب الأعلى عند من يميز النقد الجيد من النبهرج والزيوف وعن ذي النون رضى اللّه عنه قال أوحى اللّه سبحانه إلى موسى عليه السلام يا موسى كن كالطير الوحداني يأكل من رؤس الأشجار ويشرب الماء القراح أو قال من الأنهار إذا جنه الليل أوى إلى كهف من الكهوف استئناسا بي واستيحاشا ممن عصاني يا موسى انى آليت على نفسي ان لا أتم لمدعى عملا ولأقطعن امل من امل غيرى ولأقصمنّ من استند إلى سواي ولاطيلن وحشة من انس بغيري ولا عرضن عمن أحب حبيبا سواي يا موسى ان لي عبادا ان ناجونى أصغيت إليهم وان نادونى أقبلت عليهم وان اقبلوا على أدنيتهم وان دنوا منى قربتهم وان تقربوا منى كفيتهم وان والونى واليتهم وان صافونى صافيتهم وان عملوا إلى جازيتهم انا مدبر أمرهم وسائس قلوبهم ومتولى أحوالهم لم اجعل لقلوبهم راحة في شئ الا في ذكرى فهؤلاء سقامهم شفاء وعلى قلوبهم ضياء لا يستأنسون إلا بي ولا يحطون رحال قلوبهم الا عندي ولا يستقر بهم قرار في الإيواء الا الىّ وَبَيْنَهُما اى بين الفريقين أو بين الجنة والنار حِجابٌ كسور المدينة حتى لا يقدر أهل النار ان يخرجوا إلى الجنة ولئلا يتأذى أهل الجنة بالنار ولا يتنعم أهل النار بنعيم الجنة لان الحجاب المضروب بينهما يمنع وصول اثر إحداهما إلى الأخرى لأنه قد جاء ان الحور العين لو نظرت واحدة منهن إلى الدنيا نظرة لامتلأت الدنيا من ضوئها وعطرها وجاء في وصف النار ان شرارة منها لو وقعت في الدنيا لأحرقتها قال الحدادي فان قيل كيف يصح هذا التأويل في الحجاب بين الجنة والنار ومعلوم ان الجنة في السماء والنار في الأرض قيل لم يبين اللّه حال الحجاب المذكور في الآية ولا قدر المسافة فلا يمتنع ان يكون بين الجنة والنار حجاب وان بعدت المسافة وَعَلَى الْأَعْرافِ اى أعراف ذلك الحجاب اى أعاليه وهو السور المضروب بينها قيل هو جبل أحد يوضع هناك جمع عرف وهو كل عال مرتفع ومنه عرف الديك والفرس سمى عرفا لأنه بسبب ارتفاعه يكون اعرف مما انخفض منه رِجالٌ طائفة من المؤمنين تساوت حسناتهم وسيآتهم فهم ينظرون إلى النار وينظرون إلى الجنة وما لهم رجحان بما يدخلهم احدى الدارين فإذا دعوا إلى السجود وهو الذي يبقى يوم القيامة من التكليف يسجدون فيرجع ميزان حسناتهم فيدخلون الجنة وهو أحد الأقوال في تعيين أصحاب الأعراف وسيجيئ الباقي يَعْرِفُونَ صفة رجال كُلًّا اى كل فريق من أصحاب الجنة وأصحاب النار بِسِيماهُمْ اى بسبب علاماتهم التي أعلمهم اللّه بها كبياض الوجه وسواده وهذا في العرصات قبل دخول الجنة والنار فان المعرفة بعد الدخول تحصل بالمشاهدة والاحساس ولا يحتاج إلى الاستدلال بسيماهم واما النداء والصرف والإتيان فبعد الدخول وَنادَوْا اى الرجال وهو صفة ثانية لرجال عدل إلى لفظ الماضي تنزيلا للنداء منزلة الواقع أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ تفسيرية أو مخففة سَلامٌ عَلَيْكُمْ يعنى إذا نظروا إليهم سلموا عليهم سلام التحية والإكرام وبشروهم بالسلامة من جميع المكاره والآفات لَمْ يَدْخُلُوها حال من فاعل نادوا اى نادوا حال كونهم لم يدخلوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ