الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
144
تفسير روح البيان
بذنوب أمثال الجبال فيغفرها اللّه لهم ويصعها على اليهود والنصارى ) ولا يستبعد من فضل اللّه مع أهل الإسلام والايمان ان يفديهم باهل الكفر والطغيان وذلك عدل من اللّه مع أهل المعصية وفضل على أهل طاعته خلافا للمعزلة فإنهم أنكروا هذه واستدلوا بقوله تعالى وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى والذي صاروا اليه خلاف الكتاب والسنة قال اللّه تعالى وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ فلا يصح استدلالهم بالآية لان كل كافر معاقب بوزره واللّه اعلم بحقيقة الحال واليه المآل وَيا آدَمُ اى وقلنا لآدم بعد إخراج إبليس من الجنة يا آدم اسْكُنْ أَنْتَ اى لازم الإقامة على طريق الإباحة والتكريم وَزَوْجُكَ حواء والزوج في كلام العرب هو العدد الفرد المزاوج لصاحبه فاما الاثنان المصطحبان فيقال لهما زوجان الْجَنَّةَ اى قيها وهي اما جنة الخلد التي جعلت دار الجزاء وعليه أكثر أهل العلم لوجوه ذكروها في كتبهم أو جنة في السماء هبطا منها أو جنة في الأرض كانت مرتفعة على سائر بقاع الأرض ذات أشجار وأثمار وظلال ونعيم ونضرة وسرور أعدها اللّه لهما وجعلها دار ابتلاء وعليه بعض المحققين من أهل الظاهر والباطن لأنه كلف فيها ان لا يأكل من تلك الشجرة ولا تكليف في الجنة الجزائية ولأنه نام فيها واخرج منها ودخل عليه إبليس فيها ولا نوم في الجنة ولا خروج بعد الدخول ولا يجوز دخول الشيطان فيها بعد الطرد والإخراج ولقول قابيل انا من أولاد الجنة كما لا يخفى ولما روى أن آدم لما احتضر اشتهى قطفا من عنب الجنة فانطلق بنوه ليطلبوه فلقيتهم الملائكة فقالوا اين تريدون يا بني آدم فقالوا ان أبانا اشتهى قطفا من عنب الجنة فقالوا لهم ارجعوا فقد كفيتموه فانتهوا اليه فقبضوا روحه وغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلى عليه جبرائيل وبنوه خلف الملائكة ودفنوه وقالوا هذه سنتكم في موتاكم قالوا فلولا ان الوصول إلى الجنة التي كان فيها آدم التي اشتهى منها القطف كان ممكنا لما ذهبوا يطلبون ذلك فدل على أنها في الأرض لا في السماء وقد تبت ان النيل يخرج من الجنة ولا شك انها من جنان الأرض وبساتينها واللّه اعلم فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما من أي مكان شئتما ومن أي شئ شئتما من نعم الجنة وثمارها موسعا عليكما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ اختلفوا في هذه الشجرة أيضا وقد أبهم اللّه ذكرها وتعيينها ولو كان في ذكرها مصلحة تعود إلينا لعينها لنا كما في غيرها كذا في آكام المرجان فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ اى فتصيرا من الذين ظلموا أنفسهم فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ قال في الصحاح فوسوس لهما الشيطان يريد إليهما ولكن العرب توصل بهذه الحروف كلها الفعل انتهى . والوسوسة الكلام الخفي المكرر يلقيه الشيطان إلى قلب البشر ليزين له ما هو المنكر شرعا وأول ما ابتدأهما به من كيده إياهما انه ناح عليهما نياحة احزنتهما حين سمعاها فقالا له ما يبكيك قال ابكى عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة والكرامة فوقع ذلك في نفسهما ثم أتاهما فوسوس إليهما وقال ما نهاكما كما يجيىء لِيُبْدِيَ لَهُما اى ليظهر لهما . واللام للعاقبة لان اللعين انما وسوس لهما ليوقعهما في المعصية لا لظهور عورتهما لكن لما كان عاقبة وسوسته ظهور سواتهما شبه ظهورها بالغرض الحامل على الوسوسة ويحتمل ان يكون اللام لام الغرض على أنه أراد بوسوسته ان يسوءهما