الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
116
تفسير روح البيان
اى وإذا قد ظهر ان لا حجة لكم فللّه الحجة البالغة اى البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والثبات أو بلغ بها صاحبها صحة دعواه والمراد بها الكتاب والرسول والبيان فَلَوْ شاءَ هدايتكم جميعا لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ بالتوفيق لها والحمل عليها ولكن شاء هداية قوم لصرف اختيارهم إلى سلوك طريق الحق وضلال آخرين لصرف هممهم إلى خلاف ذلك قُلْ هَلُمَّ اسم فعل اى احضروا شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا وهم قدوتهم الذين ينصرون قولهم ومذهبهم ولا من يشهد بصحة دعواهم كائنا من كان ولذلك قيد الشهداء بالإضافة إليهم وانما أمروا باستحضارهم ليلزمهم الحجة ويظهر بانقطاعهم ضلالتهم وانه لا متمسك لهم كمن يقلدهم فَإِنْ شَهِدُوا بعد ما حضروا بان اللّه تعالى حرم هذا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ اى فلا تصدقهم فإنه كذب محض وبين لهم فساده وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ كعبدة الأوثان والموصول الثاني عطف على الموصول الأول بطريق عطف الصفة على الصفة مع اتخاذ الموصوف فان من يكذب بآياته تعالى لا يؤمن بالآخرة وبالعكس وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ اى يجعلون له عديلا عطف على لا يؤمنون . والمعنى لا تتبع أهواء الذين يجمعون بين تكذيب آيات اللّه وبين الكفر بالآخرة وبين الإشراك به سبحانه لكن لا على أن يكون مدار النهى المذكور بل على أن أولئك جامعون لها متصفون بكلها واعلم أن اللّه تعالى أحل الطيبات ورد ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من تحريم من عند أنفسهم لان الدين يبتنى على الوحي لا على الهوى وحرم الخبائث كالخمر والميتة والدم والخنزير وغير ذلك اى تناولها وبيعها لان ما يحرم تناوله يحرم بيعه وأكل ثمنه بخلاف ما إذا كان الانتفاع بغير ذلك كشحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فان ذلك ليس بحرام وما حرمه اللّه تعالى اما ان يكون بلاء ونقمة كما فعل اليهود وجزاء على أنفسهم واما ان يكون رحمة ومنة لعلمه ان فيه ضررا نفسانيا أو روحانيا فالنفسانى كضرر السم وأمثاله والروحاني كضرر لحوم السباع والمؤذيات وأمثالها فإنه بتعدي أخلاقها تغير الأخلاق الروحانية كما قال عليه السلام ( الرضاع يغير الطباع ) ومن ثم لما دخل الشيخ أبو محمد الجويني بيته ووجد ابنه الامام أبا المعالي يرتضع ثدي غير أمه اختطفه منها ثم نكس رأسه ومسح بطنه وادخل إصبعه في فيه ولم يزل يفعل ذلك حتى خرج ذلك اللبن قائلا يسهل علىّ موته ولا يفسد طبعه بشرب لبن غير أمه ثم لما كبر الامام كان إذا حصلت له كبوة في المناظرة يقول هذه من بقايا تلك الرضعة فعلم أن من ارتضع امرأة فالغالب عليه أخلاقهما من خير وشر وكذا لحوم الحيوانات لها تأثير عظيم وفي الحديث ( عليكم بالبان البقر وسمنانها وإياكم ولحومها فان ألبانها وسمنانها دواء وشفاء ولحومها داء ) وقد صح ان النبي عليه السلام ضحى عن نسائه بالبقر قال الحليمي هذا ليبس الحجاز ويبوسة لحم البقر ورطوبة لبنها وسمنها فكأنه يرى اختصاصه ذلك به وهذا التأويل المستحسن والا فالنبي عليه السلام لا يتقرب إلى اللّه تعالى بالداء فهو انما قال ذلك في البقر لتلك اليبوسة . وجواب آخر انه عليه السلام ضحى بالبقر لبيان الجواز أو لعدم تيسر غيره كذا في المقاصد الحسنة . ومن فوائد سمن البقر انه لو شرب منه على الريق خمسين درهما