الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
42
تفسير روح البيان
المسلمون لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وان اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهم الذين مكروا به عليه السلام ومن يسير بسيرتهم من اليهود فان أهل السلام فوقهم ظاهرين بالعزة والمنعة والحجة إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ غاية للجعل لا على معنى ان الجعل ينتهى حينئذ ويتخلص الكفرة من الذلة بل على معنى ان المسلمين بعلونهم إلى تلك الغاية فاما بعدها فيفعل اللّه تعالى بهم ما يريد ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ اى رجوعكم بالبعث والضمير لعيسى عليه السلام وغيره من المتبعين له والكافرين به على تغليب المخاطب على الغائب في ضمن الالتفات فإنه أبلغ في التبشير والانذار فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يومئذ اثر رجوعكم إلى فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من أمور الدين فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا بالسيف والسبي وأخذ الجزية وإيصال الأمراض والمصائب فإنها من العقوبات في حق الكافر ومن المثوبات في حق المؤمن لأنها ابتلاء محض له وَالْآخِرَةِ بعذاب النار وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ يخلصونهم من عذاب اللّه في الدارين وصيغة الجمع لمقابلة ضمير الجمع اى ليس لواحد منهم ناصر واحد وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بما أرسلت به وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كما هو ديدن المؤمنين فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ اى يعطيهم أجور أعمالهم كاملة ولعل الالتفات إلى الغيبة للايذان بما بين مصدري التعذيب والإثابة من الاختلاف من حيث الجلال والجمال وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ اى يبغضهم ولا يرضى عنهم ذلِكَ إشارة إلى ما سلف من نبأ عيسى عليه السلام وغيره نَتْلُوهُ عَلَيْكَ اى نقرأه عليك يا محمد وأسند تلاوته إلى نفسه مع أن التالي هو الملك المأمور بها على طريق اسناد الفعل إلى السبب الآمر وفيه تعظيم بليغ وتشريف عظيم للملك وانما حسن ذلك لان تلاوة جبريل لما كانت بأمره تعالى من غير تفاوت أصلا أضيف ذلك اليه تعالى مِنَ الْآياتِ حال من الضمير المنصوب اى من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك لأنها اخبار لا يعلمها إلا قارئ الكتاب أو من يوحى اليه فظاهر انك لا تكتب ولا تقرأ فبقى ان ذلك من الوحي وَالذِّكْرِ اى القرآن الْحَكِيمِ اى المشتمل على الحكم أو المحكم الممنوع من تطرق الخلل اليه والإشارة ان اللّه تعالى قال لعيسى عليه السلام يا عيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ عن الصفات النفسانية والأوصاف الحيوانية وَرافِعُكَ إِلَيَّ بجذبات العناية فمن لم يصر فانيا عما سوى اللّه لا يكون له وصول إلى مقام معرفة اللّه فعيسى لما رفع إلى السماء صارت له حالة كحال الملائكة في زوال الشهوات والغضب والأخلاق الذميمة . فعلى السالك ان ينهى نفسه عن الهوى ويتبع طريق الهدى ويعتبر بالآيات والذكر الحكيم كي يصل إلى النعيم المقيم ويجتنب الظلم فان اللّه تعالى قال وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ اى الذين يظلمون على أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير اللّه خلاف طريقت بود كاوليا * تمنا كنند از خدا جز خدا فأهل الطريقة هم الذين يمحون نقش الغير عن صفحات القلب ويزكون نفوسهم عن الأوصاف المذمومة فإنها مانعة من العروج إلى سماء المعرفة وعلو الوصال : قال مولانا جلال الدين رومى قدس سره