الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

27

تفسير روح البيان

الأنثى إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ لجميع المسموعات التي من جملتها تضرعي ودعائي الْعَلِيمُ لكل المعلومات التي من زمرتها ما في ضميري لا غير فَلَمَّا وَضَعَتْها اى ولدت النسمة وهي أنثى قالَتْ حنة وكانت ترجو أن تكون غلاما رَبِّ إِنِّي التأكيد للرد على اعتقادها الباطل وَضَعْتُها أُنْثى تحسرا على ما رأته من خيبة رجائها وعكس تقديرها والضمير المتصل عائد إلى النسمة وأنثى حال منه وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ تعظيم من جهته تعالى لموضوعها فإنها لما تحسرت وتحزنت على أن ولدت أنثى قال اللّه تعالى انها لا تعلم قدر هذا الموهوب واللّه هو العالم بالشيء الذي وضعته وما علق به من العجائب وعظائم الأمور فإنه تعالى سيجعله وولده آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم به فلذلك تحسرت وتحزنت وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى مقول للّه أيضا مبين لتعظيم موضوعها ورفع منزلته . واللام فيهما للعهد اى ليس الذكر الذي كانت تطلبه وتتخيل فيه كمالا قصاراه ان يكون كواحد من السدنة كالأنثى التي وهبت لها فان دائرة علمها وامنيتها لا تكاد تحيط بما فيها من جلائل الأمور فهي أفضل من مطلوبها وهي لا تعلم وهاتان الجملتان من مقول اللّه تعالى اعتراضان بين قول أم مريم إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وقولها وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وفائدتهما التسلية لنفس حنة والتعظيم لوضعها وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ من مقول حنة عطف على قولها إِنِّي وَضَعْتُها اى انى جعلت اسمها مريم وغرضها من عرضها على علام الغيوب التقرب اليه تعالى واستدعاء العصمة لها فان مريم في لغتهم بمعنى العابدة وخادم الرب واظهار انها غير راجعة في نيتها وان كان ما وضعته أنثى وانها ان لم تكن خليقة بسدانة بيت المقدس فلتكن من العابدات فيه وظاهر هذا الكلام يدل على أن عمران كان قدمات قبل وضع حنة مريم والا لما تولت الام تسمية المولود لان العادة ان التسمية يتولاها الآباء وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ اى أجيرها بحفظك وَذُرِّيَّتَها عطف على الضمير المنصوب اى أولادها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ اى المطرود . وأصل الرجم الرمي بالحجارة وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم ( ما من مولود يولد الا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مسه الا مريم وابنها ) ومعناه ان الشيطان يطمع في إغواء كل مولود بحيث يتأثر منه الا مريم وابنها فان اللّه تعالى عصمهما ببركة هذه الاستعاذة فَتَقَبَّلَها اى أخذ مريم ورضى بها في النذر مكان الذكر رَبُّها مالكها ومبلغها إلى كمالها اللائق بِقَبُولٍ حَسَنٍ بوجه حسن يقبل به النذائر وهو قبول تلك الأنثى مع أنوثتها وصغرها فان المعتاد في تلك الشريعة ان لا يجوز التحرير الا في حق غلام عاقل قادر على خدمة المسجد وهنا لما علم اللّه تعالى تضرع حنة قبل بنتها حال صغرها وعدم قدرتها على خدمة المسجد وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها مما يصلح في جميع أحوالها ثم إن اللّه تعالى ذكر قبولها منها وذلك لضفها وصدق نيتها في الابتداء وحيلئها في الانتهاء وكان في ذلك الزمان أربعة آلاف محرر لم يشتهر خبر أحد منهم اشتهار خبرها . وفيه تنبيه للعبد على أن يرى من نفسه التقصير بعد جهدها ليقبل اللّه عملها لاظهار إفلاسها وإضمار إخلاصها رزقنا اللّه وإياكم طريقت همينست كاهل يقين * نكو كار بودند وتقصير بين