الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
92
تفسير روح البيان
ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بدلالة الأنبياء وقدم التوحيد على جادة الشريعة إلى درجات الجنات واما خطاب تشريف للأنبياء والأولياء اى أتكفرون وكنتم أمواتا في كتم العدم فأحياكم بالتكوين في عالم الأرواح ورشاش النور فخمر طينة أرواحكم بماء نور العناية وتخمير يد المحبة باربعى صباح الوصال ثم يميتكم بالمفارقة عن شهود الجمال إلى مقبرة الحس والخيال ثم يحييكم اما الأنبياء فبنور نور الوحي واما الأولياء فبروح روح نور الايمان ثم اليه ترجعون اما الأنبياء فبالعروج واما الأولياء فبالرجوع بجذبات الحق كما قال تعالى ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ فلما أثبت ان الرجوع اليه امر ضروري اما بالاختيار كقراءة يعقوب ترجعون بفتح التاء وكسر الجيم واما بالاضطرار كقراءة الباقين أشار إلى أن الذي ترجعون اليه هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً اى ما خلقكم لشئ وخلق كل شئ لكم بل خلقكم لنفسه كما قال تعالى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي معناه لا تكن لشئ غيرى فانى لست لشئ غيرك فبقدر ما تكون لي أكون لك كما قال عليه السلام ( من كان للّه كان اللّه له ) وليس لشئ من الموجودات هذا الاستعداد اى ان يكون هو للّه على التحقيق وان يكون اللّه له وفي هذا سر عظيم وافشاء سر الربوبية كفر فلا تشتغل بمالك عمن أنت له فتبقى بلا هو ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فيه إشارة إلى أن وجود السماوات والأرض كان تبعا لوجود الإنسان وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ اى عالم بخلق كل شئ خلقه ولاي شئ خلقه فكل ذرة من مخلوقاته تسبح بحمد ذاته وصفاته وتشهد على أحديته وصمديته وتقول ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك : قال المولى الجامي قدس سره دو جهان جلوكاه وحدت تو * شهد اللّه كواه وحدت تو وَإِذْ مفعول اذكر مقدرة اى اذكر لهم واخبر وقت قالَ رَبُّكَ وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودة بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرها لما ان إيجاب ذكر الوقت إيجاب الذكر ما وقع فيه بالطريق البرهاني ولان الوقت مشتمل عليها فإذا استحضر كانت حاضرة بتفاصيلها كأنها مشاهدة عيانا لِلْمَلائِكَةِ اللام للتبليغ وتقديم الجار والمجرور في هذا الباب مطرد لما في المقول من الطول غالبا مع ما فيه من الاهتمام بما قدم والتشويق إلى ما اخر * والملائكة جمع ملك والتاء لتأكيد تأنيث الجماعة وسموا بها فإنهم وسائط بين اللّه وبين الناس فهم رسله لان أصل ملك ملأك مقلوب مألك من الألوكة وهي الرسالة * والملائكة عند أكثر المسلمين أجسام لطيفة قادرة على التشكل باشكال مختلفة والدليل ان الرسل كانوا يرونهم كذلك * وروى في شرح كثرتهم ان بني آدم عشر الجن وهما عشر حيوانات البر والكل عشر الطيور والكل عشر حيوانات البحار وهؤلاء كلهم عشر ملائكة السماء الدنيا وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية وهكذا إلى السماء السابعة ثم كل أولئك في مقابلة الكرسي نزر قليل ثم جمع هؤلاء عشر ملائكة سرادق واحد من سرادقات العرش التي عددها ستمائة الف طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما لا يكون لها عنده قدر محسوس وما منه من مقدار شبر الا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم لهم زجل بالتسبيح والتقديس ثم كل هؤلاء في مقابلة