الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

87

تفسير روح البيان

السفهاء بإثارة الزنابير قال لا تثيروا الزنابير فتلدغكم فكذلك لا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم وقال فيه أيضا لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسدها ولا في البرية حيث اللصوص والسموم فيسرقها اللصوص ويحرقها السموم ولكن ادخروا ذخائركم عند اللّه تعالى * وجاء في الإنجيل أيضا مثل ملكوت السماء كمثل رجل زرع في قريته حنطة جيدة نقية فلما نام الناس جاء عدوه فزرع الزوان وهو بفتح الزاي وضمها حب مر يخالط البر فقال عبيد الزراع يا سيدنا أليس حنطة جيدة زرعت في قريتك قال بلى قالوا فمن اين هذا الزوان قال لعلكم ان ذهبتم لتلقطوا الزوان تقلعوا معه حنطة دعوهما يتربيان جميعا حتى الحصاد فامر الحصادين ان يلقطوا الزوان من الحنطة وان يربطوه حزما ثم يحرق بالنار ويجمعوا الحنطة إلى الجرين * والتفسير الزراع أبو البشر والقرية العالم والحنطة الطاعة وزراع الزوان إبليس والزوان المعاصي والحصادون الملائكة يتوفون بني آدم * وللعرب أمثال مثل قولهم هوا جمع من ذرة يزعمون أنها تدخر قوت سبع سنين واجرأ من الذباب لأنه يقع على أنف الملك وجفن الأسد فإذا ذب اى منع آب اى رجع واسمع من قراد تزعم العرب ان القراد يسمع الهمس الخفي من مناسم الإبل اى اخفافها على مسيرة سبع ليال أو سبعة أميال وفلان اعمر من القراد وذلك انها تعيش سبعمائة سنة وقيل اعمر من حية لأنها لا تموت إلا قتلا ويقال اعمر من النسر لأنه يعيش ثلاثمائة سنة وفلان أصرد من جرادة اى أبرد لأنها لا تظهر في الشتاء ابدا لقلة صبرها على البرد وأطيش من فراشة اى أخف منها وهي بالفارسية « پروانه » وأعز من مخ البعوض يقال لما لا يوجد ويقال كلفتنى مخ البعوض في تكليف ما لا يطاق وأضعف من بعوضة وآكل من السوس وهو القمل الذي يأكل الحنطة والشعير والدويبة التي تقع على الصوف والجوخ وغيرهما فتأكلها * وبالجملة ان اللّه تعالى يضرب الأمثال للناس ولا يستحيى من الحق وله في أمثاله مطلقا حكم ومصالح وما يتذكر الا أولوا الألباب : قال المولى جلال الدين قدس سره بيت من بيت نيست اقليمست * هزل من هزل نيست تعليمست فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بالقرآن محمد صلى اللّه عليه وسلم والفاء للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما يدل عليه ما قبلها كأنه قيل فيضربه فاما الذين آمنوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اى المثل بالبعوضة والذباب الْحَقُّ اى الثابت الذي لا يسوغ إنكاره مِنْ رَبِّهِمْ حال من الضمير المستكن في الحق أو من الضمير العائد إلى المثل اى كائنا منه تعالى فيتفكرون في هذا المثل الحق ويوقنون ان اللّه هو خالق الكبير والصغير وكل ذلك في قدرته سواء فيؤمنون به وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وهم اليهود والمشركون فَيَقُولُونَ ما ذا اى ما الذي أو أي شئ أَرادَ اللَّهُ بِهذا اى بالمثل الخسيس وفي كلمة هذا تحقير للمشار اليه واسترذال له مَثَلًا اى بهذا المثل فلما حذف الألف واللام نصب على الحال أي ممثلا أو على التمييز فأجابهم اللّه تعالى بقوله يُضِلُّ بِهِ اى يخذل بهذا المثل والإضلال هو الصرف عن الحق إلى الباطل واسناد الإضلال اى خلق الضلال اليه سبحانه مبنى على أن جميع الأشياء مخلوقه له تعالى وان كانت افعال العباد من حيث الكسب مستندة إليهم كَثِيراً من الكفار وذلك انهم يكذبونه فيزدادون ضلالة وَيَهْدِي بِهِ اى يوفق