الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
82
تفسير روح البيان
مما يتأتى منه ذلك وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ اى فعلوا الفعلات الصالحات وهي كل ما كان للّه تعالى وفي عطف العمل على الايمان دلالة على تغايرهما واشعار بان مدار استحقاق البشارة مجموع الامرين فان الايمان أساس والعمل الصالح كالبناء عليه ولا غناء بأساس لا بناء عليه وطلب الجنة بلا عمل حال السفهاء لان اللّه تعالى جعل العمل سببا لدخول الجنة والعبد وان كان يدخله اللّه الجنة بمجرد الايمان لكن العمل يزيد نور الايمان وبه يتنور قلب المؤمن وكم من عقبة كؤود تستقبل العبد إلى أن يصل إلى الجنة وأول تلك العقبات عقبة الايمان انه هل يسلم من السلب أم لا فلزم العمل لتسهيل العقبات أَنَّ لَهُمْ اى بان لهم جَنَّاتٍ بساتين فيها أشجار مثمرة * والجنة ما فيه النخيل والفردوس ما فيه الكرم كذا قال الفراء ولفرط التفاف أغصان أشجارها وتسترها بالأشجار سميت جنة كأنها سترة واحدة لان الجنة بناء مرة وانما سميت دار الثواب بها مع أن فيها ما لا يوصف من الغرفات والقصور لما انها مناط نعيمها ومعظم ملاذها * فان قلت ما معنى جمع الجنة وتنكيرها * قلت الجنة اسم لدار الثواب كلها وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب على استحقاقات العاملين لكل طبقة منهم جنة من تلك الجنان * ثم الجنان ثمان دار الجلال كلها من نور مدائنها وقصورها وبيوتها واوانيها وشرفها وأبوابها ودرجها وغرفها وأعاليها وأسافلها وخيامها وحليها وكل ما فيها ودار القرار كلها من المرجان ودار السلام كلها من الياقوت الأحمر وجنة عدن من الزبرجد كلها وهي قصبة الجنة وهي مشرفة على الجنان كلها وباب جنة عدن مصراعان من زمرد وياقوت ما بين المصراعين كما بين المشرق والمغرب وجنة المأوى من الذهب الأحمر كلها وجنة الخلد من الفضة كلها وجنة الفردوس من اللؤلؤ كلها وحيطانها لبنة من ذهب ولبنة من فضة ولبنة من ياقوت ولبنة من زبرجد وملاطها وما يجعل بين اللبنتين مكان الطين المسك وقصورها الياقوت وغرفها اللؤلؤ ومصاريعها الذهب وارضها الفضة وحصباؤها المرجان وترابها المسك ونباتها الزغفران والعنبر وجنة النعيم من الزمرد كلها وفي الخبر ( ان المؤمن إذا دخل الجنة رأى سبعين الف حديقة في كل حديقة سبعون الف شجرة على كل شجرة سبعون الف ورقة وعلى كل ورقة لا اله الا اللّه محمد رسول اللّه أمة مذنبة ورب غفور كل ورقة عرضها من مشرق الشمس إلى مغربها ) تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ الجملة صفة لجنات والأنهار جمع نهر بفتح الهاء وسكونها وهو المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر كالنيل نهر مصر والمراد بها ماؤها * فان قلت كيف جرى الأنهار من تحتها * قلت كما ترى الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار الجارية وعن مسروق ان انهار الجنة تجرى في غير أخدود وهو الشق من الأرض بالاستطالة وأنزه البساتين وأكرمها منظرا ما كانت أشجاره مظللة والأنهار في خلالها مطردة ولولا ان الماء الجاري من النعمة العظمى وان الرياض وان كانت أحسن شئ لا تجلب النشاط حتى يجرى فيها الماء والا كان السرور الأوفر مفقودا وكانت كتماثيل لا أرواح لها وصور لا حياة لها لما جاء اللّه بذكر الجنات البتة مشفوعا بذكر الأنهار الجارية من تحتها والأنهار هي الخمر واللبن والعسل والماء فإذا شربوا من نهر الماء يجدون حياة ثم إنهم لا يموتون وإذا شربوا من اللبن يحصل