الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

72

تفسير روح البيان

وهو استئناف ثالث كأنه قيل كيف يصنعون في تارتى خفوق البرق وخفيته أيفعلون بأبصارهم ما يفعلون بآذانهم أم لا فقيل كلما نور البرق لهم ممشى ومسلكا مَشَوْا فِيهِ اى في ذلك المسلك اى في مطرح نوره خطوات يسيرة مع خوف ان يخطف أبصارهم وإيثار المشي على ما فوقه من السعي والعدو للاشعار بعدم استطاعتهم لهما لكمال دهشتهم وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ اى خفى البرق واستتر فصار الطريق مظلما قامُوا اى وقفوا في أماكنهم على ما كانوا عليه من الهيئة متحيرين مترصدين لحظة أخرى عسى يتسنى لهم الوصول إلى المقصد أو الالتجاء إلى ملجأ يعصمهم وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مفعوله محذوف اى لو أراد ان يذهب الاسماع التي في الرأس والابصار التي في العين كما ذهب بسمع قلوبهم وابصارها لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ بصوت الرعد ونور البرق عقوبة لهم لأنه لا يعجز عن ذلك إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ اى على كل موجود بالإمكان واللّه تعالى وان كان يطلق عليه الشيء لكنه موجود بالوجوب دون الإمكان فلا يشك العاقل ان المراد من الشيء في أمثال هذا ما سواه تعالى فاللّه تعالى مستثنى في الآية مما يتناوله لفظ الشيء بدلالة العقل فالمعنى على كل شئ سواه قدير كما يقال فلان أمين على معنى أمين على من سواه من الناس ولا يدخل فيه نفسه وان كان من جملتهم كما في حواشي ابن التمجيد قَدِيرٌ اى فاعل له على قدر ما تقتضيه حكمته لا ناقصا ولا زائدا ثم إن هذا التمثيل كشف بعد كشف وإيضاح بعد إيضاح أبلغ من الأول شبه اللّه حال المنافقين في حيرتهم وما خبطوا فيه من الضلالة وشدة الأمر عليهم وخزيهم وافتضاحهم بحال من أخذته السماء في ليلة مظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق والموت هذا إذا كان التمثيل مركبا وهو الذي يقتضيه جزالة التنزيل فإنك تتصور في المركب الهيئة الحاصلة من تفاوت تلك الصور وكيفياتها المتضامة فيحصل في النفس منه ما لا يحصل من المفردات كما إذا تصورت من مجموع الآية مكابدة من أدركه الوبل الهطل مع تكاثف ظلمة الليل وهيئة انتساج السحاب بتتابع القطر وصوت الرعد الهائل والبرق الخاطف والصاعقة المحرقة ولهم من خوف هذه الشدائد حركات من تحذر الموت حصل لك منه امر عجيب وخطب هائل بخلاف ما إذا تكلفت لواحد واحد مشبها به يعنى ان حمل التمثيل على التشبيه المفرق فشبه القرآن وما فيه من العلوم والمعارف التي هي مدار الحياة الأبدية بالصيب الذي هو سبب الحياة الأرضية وما عرض لهم بنزوله من الغموم والأحزان وانكساف البال بالظلمات وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق وتصاممهم عما يقرع أسماعهم من الوعيد بحال من يهوله الرعد والبرق فيخاف صواعقه فيسد اذنه ولاخلاص له منها واهتزازهم لما يلمع لهم من رشد يدركونه أو رفد يحرزونه بمشيهم في مطرح ضوء البرق كلما أضاء لهم وتحيرهم في أمرهم حين عنّ لهم مصيبة بوقوفهم إذا اظلم عليهم فهذه حال المنافقين قصارى عمرهم الحيرة والدهشة * فعلى العاقل ان يتمسك بحبل الشرع القويم والصراط المستقيم كي يتخلص من الغوائل والقيود ومهالك الوجود وغاية الأمر خفية لا يدرى بم يختم * قال رجل للحسن البصري كيف أصبحت قال بخير قال كيف حالك فتبسم الحسن ثم قال لا تسأل عن حالي ما ظنك بناس ركبوا سفينة حتى توسطوا البحر فانكسرت