الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
58
تفسير روح البيان
متمحضة عن شوائب الفساد وانما قالوا ذلك لأنهم تصوروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض كما قال اللّه تعالى أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فأنكروا كون ذلك فسادا وادعوا كونه إصلاحا محضا وهو من قصر الموصوف على الصفة مثل انما زيد منطلق * قال ابن التمجيد ان المسلمين لما قالوا لهم لا تفسدوا توهموا ان المسلمين أرادوا بذلك انهم يخلطون الإفساد بالإصلاح فأجابوا بأنهم مقصورون على الإصلاح لا يتجاوزون منه إلى صفة الإفساد فيلزم منه عدم الخلط فهو من باب قصر الافراد حيث توهموا ان المؤمنين اعتقدوا الشركة فأجابهم اللّه تعالى بعد ذلك بما يدل على القصر القلبي وهو قوله تعالى أَلا أيها المؤمنون اعلموا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ فإنهم لما اثبتوا لأنفسهم احدى الصفتين ونفوا الأخرى واعتقدوا ذلك قلب اللّه اعتقادهم هذا بان أثبت لهم ما نفوه ونفى عنهم ما اثبتوا والمعنى هم مقصورون على إفساد أنفسهم بالكفر والناس بالتعويق عن الايمان لا يتخطون منه إلى صفة الإصلاح من باب قصر الشيء على الحكم فهم لا يعدون صفة الفساد والإفساد ولا يلزم منه ان لا يكون غيرهم مفسدين ثم استدرك بقوله تعالى وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ انهم مفسدون للايذان بان كونهم مفسدين من الأمور المحسوسة لكن لا حس لهم حتى يدركوه * قال الشيخ في تفسيره ذكر الشعور بإزاء الفساد أوفق لأنه كالمحسوس عادة ثم فيه بيان شرف المؤمنين حيث تولى اللّه جواب المنافقين عما قالوه للمؤمنين كما كان في حق المصطفى صلى اللّه عليه وسلم فان الوليد بن المغيرة قال له انه مجنون فنفاه اللّه عنه بقوله ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ثم قال في ذم ذلك اللعين وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ اى حلاف حقير عياب يمشى بين الناس بالنميمة بخيل للمال ظالم فاجر غليظ القلب جاف ومع ذلك الوصف المذكور هو ولد الزنى وذلك لأنه صلى اللّه عليه وسلم اتخذ ربه وكيلا على أموره بمقتضى قوله فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا فهو تعالى يكفى مؤونته كما قال أهل الحقائق ان خوارق العادات فلما تصدر من الأقطاب والخلفاء بل من وزرائهم وخلفائهم لقيامهم بالعبودية التامة واتصافهم بالفقر الكلى فلا يتصرفون لأنفسهم في شئ ومن جملة كمالات الأقطاب ومنن اللّه عليهم ان لا يبتليهم بصحبة الجهلاء بل يرزقهم صحبة العلماء الأدباء الأمناء يحملون عنهم أثقالهم وينفذون أحكامهم وأقوالهم وذلك كما كان الكامل آصف بن برخيا وزير سليمان عليه الصلاة والسلام الذي كان قطب وقته ومتصرفا وخليفة على العالم فظهر منه ما ظهر من إتيان عرش بلقيس كما حكاه اللّه تعالى في القرآن * وفي التأويلات النجمية وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ الإشارة في تحقيق الآيتين ان الإنسان وان خلق مستعدا لخلافة الأرض ولكنه في بداية الخلقة مغلوب الهوى والصفات النفسانية فيكون مائلا إلى الفساد كما أخبرت عنه الملائكة وقالوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها الآية فبأوامر الشريعة ونواهيها يتخلص جوهر الخلافة عن معدن نفس الإنسان فأهل السعادة وهم المؤمنون ينقادون للداعي إلى الحق ويقبلون الأوامر والنواهي وأهل الشقاوة وهم الكافرون المنافقون يمرقون من الدين ويتبعون الهوى وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض اى لا تسعوا في إفساد حسن استعدادكم وصلاحيتكم