الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
56
تفسير روح البيان
فَزادَهُمُ اللَّهُ دعاء عليهم * فان قلت فكيف يحمل على الدعاء والدعاء للعاجز عرفا واللّه تعالى منزه عن العجز قلت هذا تعليم من اللّه عباده انه يجوز الدعاء على المنافقين والطرد لهم لأنهم شر خلق اللّه لأنه أعد لهم يوم القيامة الدرك الأسفل من النار وهذا كقوله تعالى قاتَلَهُمُ اللَّهُ و لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ يصل ألمه إلى القلوب وهو بمعنى المؤلم بفتح اللام على أنه اسم مفعول من الإيلام وصف به العذاب للمبالغة وهو في الحقيقة صفة المعذب بفتح الذال المعجمة كما أن الجد للجاد في قولهم جدجده وجه المبالغة إفادة ان الألم بلغ الغاية حتى سرى المعذب إلى العذاب المتعلق به بِما كانُوا يَكْذِبُونَ الباء للسببية أو للمقابلة وما مصدرية داخلة في الحقيقة على يكذبون وكلمة كانوا مقحمة لإفادة دوام كذبهم وتجدده اى بسبب كذبهم المتجدد المستمر الذي هو قولهم آمنا إلخ وفيه رمز إلى قبح الكذب وسماجته وتخييل ان العذاب الأليم لاحق بهم من أجل كذبهم نظرا إلى ظاهر العبارة المتخيلة لانفراده بالسببية مع إحاطة علم السامع بان لحوق العذاب بهم من جهات شتى وان الاقتصار عليه للاشعار بنهاية قبحه والتنفير عنه * والكذب الاخبار بالشيء على خلاف ما هو به وهو قبيح كله * واما ما روى أن إبراهيم عليه السلام ( كذب ثلاث كذبات ) فالمراد به التعريض لكن لما شابه الكذب في صورته سمى به واحدي الكذبات * قوله إِنِّي سَقِيمٌ اى ذاهب إلى السقم أو إلى الموت أو سيسقم لما يجد من الغيظ في اتخاذهم النجوم آلهة قاله ليتركوه من الذهاب معهم إلى عيد لهم حتى يخلوا سبيله فيكسر أصنامهم * والثانية قوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا على الفرض والتقدير على سبيل الإلزام كأنه قال لو كان الها معبودا وجب ان يكون قادرا على أن يفعله فإذا لم يكن قادرا عليه يكون عاجزا والعاجز بمعزل عن الألوهية واستحقاق العبادة فكيف حالكم في العكوف عليه فهذا القول تهكم بعقولهم * وثالثتها قوله في حق زوجته سارة رضى اللّه عنها هذه أختي والمراد منه الاخوة في الدين وغرضه منه تخليصها من يد الظالم لان من دين ذلك الملك الذي يتدين به في الاحكام المتعلقة بالسياسة لا يتعرض الا لذوات الأزواج لان من دينه ان المرأة إذا اختارت الزوج فالسلطان أحق بها من زوجها واما اللاتي لا أزواج لهن فلا سبيل عليهن الا إذا رضين * واما قوله هذا رَبِّي فهو من باب الاستدراج وهو إرخاء العنان مع الخصم وهو نوع من التعريض لان الغرض منه حكاية قولهم كذا في حواشي ابن تمجيد * واعلم أن الكذب من قبايح الذنوب وفواحش العيوب ورأس كل معصية بها يتكدر القلوب وابغض الأخلاق انه مجانب للايمان يعنى الايمان في جانب والكذب في جانب آخر مقابل له وهذا كناية عن كمال البعد بينهما وفي الحديث ( مالي أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار كل الكذب مكتوب كذبا لا محالة الا ان يكذب الرجل في الحرب فان الحرب خدعة أو يكون بين رجلين شحناء فيصلح بينهما أو يحدث امرأته ليرضيها ) مثل ان يقول لا أحد أحب إلى منك وكذا من جانب المرأة فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء وفي معناها ما أداها إذا ارتبط بمقصود صحيح له أو لغيره كما قيل بالفارسية « دروغ مصلحت آميز به از راست فتنه انگيز » لكن هذا في حق الغير واما في حق نفسه فالصدق أولى وان لزم الضرر : كما قال السعدي