الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

53

تفسير روح البيان

كذا في الرسالة المسماة بالأمر المحكم المربوط فيما يلزم أهل طريق اللّه من الشروط للشيخ الأكبر قدس سره الأطهر فظهر من هذا ان الاسرار لا توهب الا للامناء والأنوار لا تفيض الا على الأدباء : قال الحافظ قدس سره حديث دوست نگويم مگر بحضرت دوست * كه آشنا سخن آشنا نگه دارد * وفي التأويلات النجمية وَمِنَ النَّاسِ هم الذين نسوا اللّه ومعاهدته يوم الميثاق فمنهم مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم فان الايمان الحقيقي ما يكون من نور اللّه الذي يقذفه اللّه في قلوب خواصه وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ اى بنور اللّه يشاهد الآخرة فيؤمن به فمن لم ينظر بنور اللّه فلا يكون مشاهدا لعالم الغيب فلا يعلم الغيب فلا يكون مؤمنا باللّه وباليوم الآخر ولهذا قال وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ اى بالذين يؤمنون من نور اللّه تعالى وفيه معنى آخر وما هم بمستعدين للهداية إلى الايمان الحقيقي لأنهم في غاية الغفلة والخذلان انتهى يُخادِعُونَ اللَّهَ بيان ليقول في الآية السابقة وتوبيخ لما هو غرضهم مما يقولون أو استئناف وقع جوابا عن سؤال ينساق اليه الذهن كأنه قيل ما لهم يقولون ذلك وهم غير مؤمنين فقيل يخادعون إلخ اى يخدعون وانما اخرج في زنة فاعل للمبالغة وخداعهم مع اللّه سبحانه ليس على ظاهره لأنه لا تخفى عليه خافية ولأنهم لم يقصدوا خديعته بل المراد اما مخادعة رسوله على حذف المضاف أو على أن معاملة الرسول معاملة اللّه من حيث إنه خليفته في ارضه والناطق عنه بأوامره ونواهيه مع عباده ففيه رفع درجة النبي صلى اللّه عليه وسلم حيث جعل خداعه خداعه واما ان صورة صنعهم مع اللّه من اظهار الايمان واستبطان الكفر وصنع اللّه معهم من اجراء احكام المسلمين عليهم وهم عنده تعالى أخبث الكفار وأهل الدرك الأسفل من النار استدراجا لهم وامتثال الرسول والمؤمنين امر اللّه تعالى في إخفاء حالهم واجراء حكم الإسلام عليهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة صنع المخادعين فتكون المخادعة بين الاثنين والخدع ان يوهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه ليوقعه فيه من حيث لا يحتسب أو يوهمه المساعدة على ما يريد هو به ليغتر بذلك فينجو منه بسهولة من قولهم ضب خادع وخدع وهو الذي إذا امر الحارش يده على باب حجره يوهمه الإقبال عليه فيخرج من بابه الآخر وكلا المعنيين مناسب للمقام فإنهم كانوا يريدون بما صنعوا ان يطلعوا على اسرار المؤمنين فيذيعوها إلى منابذيهم اى يشيعوها إلى مخالفيهم وأعدائهم وان يدفعوا عن أنفسهم ما يصيب سائر الكفرة من القتل والنهب والأسر وان ينالوا به نظم مصالح الدنيا جميعا كأن يفعل بهم ما يفعل بالمؤمنين من الإعطاء وَالَّذِينَ آمَنُوا اى يخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم آمنا وهم غير مؤمنين وهو عطف على الأول ويجوز حمله على الحقيقة في حقهم فإنه وسعهم كذا في التيسير وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ النفس ذات الشيء حقيقته وقد يقال للروح لان نفس الحي به وللقلب لأنه محل الروح أو متعلقه وللدم لان قوامها به وللماء أيضا لشدة حاجتها اليه والمراد هنا هو المعنى الأول لان المقصود بيان ان ضرر مخادعتهم راجع إليهم لا يتخطاهم إلى غيرهم اى يفعلون ما يفعلون والحال انهم ما يضرون بذلك الا أنفسهم فان