الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
433
تفسير روح البيان
مع أنه واجب في الإبداء أيضا لما ان الإخفاء مظنة الالتباس والاشتباه فان الغنى ربما يدعى الفقر ويقدم على قبول الصدقة سرا ولا يفعل ذلك عند الناس فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ اى فالاخفاء خير لكم من الإبداء وكل متقبل إذا صلحت النية وهذا في التطوع ومن لم يعرف بالمال واما في الواجب فبالعكس ليقتدى به كالصلاة المكتوبة في الجماعة أفضل والنافلة في البيت ولنفى التهمة وسوء الظن حتى إذا كان المزكى ممن لا يعرف باليسار كان اخفاؤه أفضل خوف الظلمة عن ابن عباس رضى اللّه عنهما صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفا وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا وَ اللّه يُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ من تبعيضية اى شيأ من سيآتكم لأنه يمحو بعض الذنوب بالتصدق في السر والعلانية أو زائدة على رأى الأخفش فالمعنى يمحو عنكم جميع ذنوبكم وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من الاسرار والإعلان خَبِيرٌ فهو ترغيب في الاسرار * ذكر الامام في أن الاسرار والإخفاء في صدقة التطوع أفضل وجوها * الأول انها ابعد من الرياء والسمعة قال صلى اللّه عليه وسلم ( لا يقبل من مسمع ولامرائى ولا منان ) والمتحدث في صدقة لا شك انه يطلب السمعة والمعطى في ملأ من الناس يطلب الرياء فالاخفاء والسكوت هو المخلص منهما . وقد بالغ قوم في صدقة الإخفاء واجتهدوا ان لا يعرفهم أحد فكان بعضهم يلقيها في يد أعمى وبعضهم يلقيها في طريق الفقير في موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطى وبعضهم كان يشدها في ثوب الفقير وهو نائم وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير على يد غيره * وثانيها انه إذا أخفى صدقته لم يحصل له من الناس شهرة وتمدح وتعظيم فكان ذلك أشق على النفس فوجب ان يكون أكثر ثوابا * وثالثها قوله صلى اللّه عليه وسلم ( أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر ) وقال أيضا ( ان العبد يعمل عملا ان في السر فيكتبه اللّه تعالى سرا فان أظهره نقل من السر وكتب في العلانية فان تحدث نقل من السر والعلانية وكتب في الرياء ) وفي الحديث ( سبعة يظلهم اللّه في ظله يوم لا ظل الا ظله امام عدل وشاب نشأ في عبادة اللّه تعالى ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود اليه ورجلان تحابا في اللّه اجتمعا على ذلك وتفرقا ورجل ذكر اللّه خاليا ففاضت عيناه ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال إني أخاف اللّه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) وقال صلى اللّه عليه وسلم ( صدقة السر تطفئ غضب الرب ) * واما الوجه في جواز اظهار الصدقة فهو ان الإنسان إذا علم أنه إذا أظهرها صار في ذلك سببا لاقتداء الحلق به فالاظهار أفضل * قال محمد بن علي الحكيم الترمذي ان الإنسان إذا اتى بعمله وهو يخفيه عن الخلق وفي نفسه شهوة ان يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة فههنا الشيطان يردد عليه رؤية الخلق والقلب ينكر ذلك ويدفعه فهذا الإنسان في محاربة الشيطان فضوعف العمل في السر سبعين ضعفا على العلانية ثم إن تقرب العبد إلى اللّه انما يكون بفرض أوجبه اللّه عليه أو بنفل أوجبه العبد على نفسه * فعلى كلا التقديرين اللّه عليم بهما فيجازى العبد بهما كما قال في حديث رباني ( لن يتقرب إلى المتقربون بمثل ما افترضت عليهم ولا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا فبى يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش )