الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

395

تفسير روح البيان

على قدر قوة ذلك النور في استعلاء ضوئه وعلى قدر غلبات أنوار التوحيد على ظلمات الوجود كانت مراتب الأنبياء بعضهم فوق بعض فلما غلب نور الوحدانية على ظلمة انسانية النبي عليه السلام اضمحلت وتلاشت وفنيت ظلمة وجوده بسطوات تجلى صفات الجمال والجلال فكل نبي بقدر بقية ظلمة وجوده بقي في مكان من أماكن السماوات فإنه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ما بقي في مكان ولا في الإمكان لأنه كان فانيا عن ظلمة وجوده باقيا بنور وجوده ولهذا سماه اللّه نورا وقال قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ فالنور هو محمد عليه السلام والكتاب هو القرآن فافهم واغتنم فإنك لا تجد هذه المعاني الا هاهنا انتهى كلام التأويلات النجمية وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة من احياء الموتى وشفاء المرضى وإبراء الأكمه والأبرص وخلق الطير من الطين والاخبار بالمغيبات والإنجيل وجعل معجزاته سبب تفضيله مع أن إيتاء البينات غير مختص بعيسى عليه الصلاة والسلام لأنها آيات واضحة ومعجزات عظيمة لم يستجمعها غيره وخص عيسى عليه السلام بالتعيين مع أنه غير مختص بايتاء البينات تقبيحا لافراط اليهود في تحقيره حيث أنكروا نبوته مع ما ظهر على يده من البينات القاطعة الدالة عليها ولافراط النصارى في تعظيمه حيث أخرجوه عن مرتبة الرسالة وَأَيَّدْناهُ اى قويناه بِرُوحِ الْقُدُسِ اى الروح المطهرة التي نفحها اللّه فيه فأبانه بها من غيره ممن خلق من اجتماع نطفتى الذكر والأنثى لأنه عليه السلام لم تضمه أصلاب الفحول ولم يشتمل عليه أرحام الطوامث . فالقدس بمعنى المقدس من قبيل رجل صدق أو القدس هو اللّه وروحه جبريل والإضافة للتشريف والمعنى أعانه بجبريل في أول امره وفي وسطه وفي آخره اما في الأول من امره فلقوله فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا واما في وسطه فلان جبريل عليه السلام علمه العلوم وحفظه من الأعداء واما في آخر الأمر فحين أرادت اليهود قتله أعانه جبريل ورفعه إلى السماء وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ اى من بعد الرسل من الأمم المختلفة اى لو شاء اللّه عدم اقتتالهم ما اقتتلوا بان جعلهم متفقين على اتباع الرسل المتفقة على كلمة الحق مَنْ متعلقة باقتتل بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ من جهة أولئك الرسل الْبَيِّناتِ المعجزات الواضحة والآيات الظاهرة الدالة على حقيقة الحق الموجبة لاتباعهم الزاجرة عن الاعراض عن سننهم المؤدى إلى القتال وَلكِنِ اخْتَلَفُوا اى لكن لم يشأ عدم اقتتالهم لأنهم اختلفوا اختلافا فاحشا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ اى بما جاءت به أولئك الرسل من البينات وعملوا به وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بذلك كفرا لا ارعواء له عنه فاقتضت الحكمة عدم مشيئته تعالى لعدم اقتتالهم فاقتتلوا بموجب اقتضاء أحوالهم وَلَوْ شاءَ اللَّهُ عدم اقتتالهم بعد هذه المرة أيضا من الاختلاف والشقاق المستتبعين للاقتتال بحسب العادة مَا اقْتَتَلُوا وما نبض منهم عرق التطاول والتعاون لما ان الكل تحت ملكوته وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ اى من الأمور الوجودية والعدمية التي من جملتها عدم مشيئته عدم اقتتالهم فان الترك أيضا من جملة الافعال اى يفعل ما يريد حسبما يريد من غير أن يوجبه عليه موجب أو يمنعه منه مانع . وفيه دليل بين على أن الحوادث تابعة لمشيئته تعالى خيرا كان أو شرا ايمانا كان أو كفرا وهذا نذير على المعتزلة * قال الامام الغزالي