الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

375

تفسير روح البيان

اى يدعون نساء من بعدهم وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ اى يوصون وصية لهن والجملة خبر الذين مَتاعاً اى يوصون متاعا إِلَى الْحَوْلِ أو متعوهن تمتيعا إلى الحول غَيْرَ إِخْراجٍ بدل من قوله متاعا بدل اشتمال لتحقق الملابسة بين تمتيعهن حولا وبين عدم اخراجهن من بيوتهن كأنه قيل يوصون لأزواجهم متاعا اى لا يخرجن من مساكنهن حولا أو حال من أزواجهم اى غير مخرجات والمعنى يجب على الذين يتوفون ان يوصوا قبل الاحتضار لأزواجهم بان يمتعن بعدهم حولا بالنفقة والسكنى * نزلت الآية في رجل من الطائف يقال له حكيم بن الحارث هاجر إلى المدينة وله أولاد ومعه أبواه وامرأته ومات فانزل اللّه هذه الآية فاعطى النبي عليه السلام والديه وأولاده من ميراثه ولم يعط امرأته شيأ وأمرهم ان ينفقوا عليها من تركة زوجها حولا وكان عدة الوفاة في ابتداء الإسلام حولا وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحلول وكان نفقتها وسكناها واجبة في مال زوجها ما لم تخرج ولم يكن لها الميراث فان خرجت من بيت زوجها سقطت نفقتها وكان على الرجل ان يوصى بها فكان كذلك حتى نزلت آية الميراث فنسخ اللّه تعالى نفقة الحول بالربع عند عدم الولد وولد الابن والثمن عند وجودهما وسقطت السكنى أيضا عند أبى حنيفة ونسخ عدة الحول بأربعة أشهر وعشر فإنه وان كان متقدما في التلاوة متأخر في النزول فَإِنْ خَرَجْنَ من منزل الأزواج باختيارهن فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أيها الأئمة والحكام فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ لا ينكره الشرع كالتزين والتطيب وترك الحداد والتعرض للخطاب وهذا يدل على أنه لم يكن يجب عليها ملازمة مسكن الزوج والحداد عليه وانما كانت مخيرة بين الملازمة وأخذ النفقة وبين الخروج وتركه وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب على امره يعاقب من خالفه حَكِيمٌ يراعى في أحكامه مصالح عباده وَلِلْمُطَلَّقاتِ سواء كن مدخولا بهن أم لا مَتاعٌ اى مطلق المتعة الشاملة للمستحبة والواجبة فان كانت المطلقة مفوضة غير مدخول بها وجبت لها المتعة وان كانت غيرها يستحب لها فلفظ التمتع المدلول عليه بمتعوهن في الآية السالفة يحمل على الواجب فلا منافاة بين الآيتين بِالْمَعْرُوفِ اى متاع ملتبس بالمعروف شرعا وعادة حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ اى مما ينبغي على من كان متقيا فليس بواجب ولكن من شروط التقوى التبرع بهذا تطييبا لقلبها وإزالة للضغن كَذلِكَ إشارة إلى ما سبق من احكام الطلاق والعدة اى مثل ذلك البيان الواضح يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ الدالة على أحكامه التي شرعها لعباده * قال القاضي وعد بأنه سيبين لعباده من الدلائل والاحكام ما يحتاجون اليه معاشا ومعادا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لكي تفهموا ما فيها فتستعملوا العقل فيها وتعملوا بموجبها : وفي المثنوى كشتى بي لنگر آمد مرد شر * كه زياد كژ نيابد أو حذر لنگر عقلست عاقل را أمان * لنگرى دريوزه كن از عاقلان * والإشارة ان المطلقة لما ابتليت بالفراق جبرا للّه تعالى كسر قلبها بالمتعة يشير بهذا إلى أن المريد الصادق لو ابتلى في أوان طلبه بفراق الأعزة والأقرباء وهجران الأحبة والأصدقاء والخروج