الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

372

تفسير روح البيان

بهذه الصفة فمن قارف معصية وهو يعلم أن اللّه يراه فما اجسره واخسره ومن ظن أنه لا يراه فما أكفره كذا في شرح الأسماء الحسنى للامام الغزالي * ثم الإشارة في الآيات ان مفارقة الاشكال من الأصدقاء والعيال لمصلحة دنيوية لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فيها فكيف يكون جناح ان فارقتموهم لمصلحة دينية بل أنتم مأمورون بمفارقتهم لزيارة بيت اللّه فكيف لزيارة اللّه فان الواجب في زيارة بيت اللّه مفارقة الأهالي والأوطان وفي زيارة اللّه مفارفة الأرواح والأبدان دع نفسك وتعال قل اللّه ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وقوله تعالى وَمَتِّعُوهُنَّ إشارة إلى أن من له من الطلاب وأهل الإرادة مال فليمتع به أقرباءه وأحباءه حين فارقهم في طلب الحق سبحانه ليزيل عنهم بحلاوة المال مرارة الفراق فان الفطام عن المألوف شديد ولا ينفق المال عليهم بقدر قربهم في القرابة وبعدهم بل يقسم بينهم على فرائض اللّه كالميراث فإنه قد مات عنهم بالحقيقة وفي قوله تعالى وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى إشارة إلى أن الوصول إلى تقوى اللّه حق تقاته انما هو بترك ما سوى اللّه والتجاوز عنه فان المواصلة إلى الخالق على قدر المفارقة عن المخلوق والتقرب إلى اللّه بقدر التبعد عما سواه وفي قوله تعالى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ هاهنا في الدنيا فان حلول الجنة ودخولهاهناك لا يكون الا من فضله كقوله تعالى الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ في وجدان الفضل وفقدانه بَصِيرٌ كذا في التأويلات النجمية وانما يوجب للعبد الالتفات للخلائق فقدان النور الكاشف للخلائق والا فلو أشرق نور اليقين الهادي إلى العلم بان الآخرة خير من الدنيا وان ما عند اللّه خير وأبقى لرأيت الآخرة أقرب من أن يرحل إليها ولرأيت محاسن الدنيا وقد ظهرت كسفة الفناء عليها لان الآتي قطعا كالموجود في الحال لا سيما ومباديه ظاهرة من تغير الأحوال وانتقال الأهلين والأموال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( ان النور إذا دخل القلب انفسح وانشرح ) قيل يا رسول اللّه وهل له من علامة يعرف بها قال ( التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله ) انتهى اللهم اجعلنا ممن استعد للقائك وتهيأ لنوال وصالك حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ بالأداء لوقتها والمداومة عليها والمراد بالصلوات المكتوبات الخمس في كل يوم وليلة ثبت عددها بغيرها من الآيات والأحاديث المتواترة وبإشارة في هذه الآية وهو ذكر الوسطى وهي ما اكتنفه عددان متساويان وأقل ذلك خمسة لا يقال إن الثلاث بهذه الصفة لأنا نقول الثلاث لا يكتنفها عددان فان الذي قبلها واحد والذي بعدها واحد وهو ليس بعدد فان العدد ما إذا اجتمع طرفاه صارا ضعفه وليس له طرفا فإنه ليس قبله شئ وَ حافظوا على الصَّلاةِ الْوُسْطى اى المتوسطة بينها على أن تكون الوسطى صفة مشبهة أو الفضلى منها على أن تكون افعل تفضيل تأنيث الأوسط وأوسط الشيء خيره واعدله وهي صلاة العصر لأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نها ( ولقوله عليه الصلاة والسلام يوم الأحزاب ( شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ اللّه قبورهم وبيوتهم نارا ) وفضلها لكثرة اشتغال الناس في وقتها بتجاراتهم ومكاسبهم واجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ) اى ليكن من فوتها حذرا كما يحذر من ذهاب أهله وماله ثم في حديث يوم الأحزاب