الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

324

تفسير روح البيان

في هذه الآية من يبذل دنياه ونفسه لطلب الدين وما عند اللّه يوم الدين فقال وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اى يبيعها ويبذلها فان المكلف لما بذل نفسه في طاعة اللّه من الصوم والصلاة والحج والجهاد والزكاة وتوصل بذلك إلى وجدان ثواب اللّه صار المكلف كأنه باع نفسه من اللّه تعالى بما نال من ثوابه وصار تعالى كأنه اشترى منه نفسه بمقابلة ما أعطاه من ثوابه وفضله ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ اى طلبا لرضاه وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ * ولذلك يكلفهم التقوى ويعرضهم للثواب ومن جملة رأفته بعباده ان ما اشتراه منهم من أنفسهم وأموالهم انما هو خالص ملكه وحقه ثم إنه تعالى يشترى منهم ملكه الخالص المحصور بما لا يعد ولا يحصى من فضله ورحمته رحمة وإحسانا وفضلا وإكراما * وقيل نزلت في صهيب بن سنان الرومي خرج من مكة يريد الهجرة إلى النبي عليه الصلاة والسلام بالمدينة وهو ابن مائة سنة اتبعه نفر من مشركي قريش وقتلوا نفرا كانوا معه وكان معه كنانة فيها سهامه وكان راميا مصيبا فقال يا معشر قريش لقد علمتم انى من ارماكم رجلا واللّه لا أضع سهمى الا في قلب رجل وأيم اللّه لا تصلون إلى حتى ارمى بكل سهم في كنانتي ثم اضرب بسيفي ما بقي في يدي ثم افعلوا ما شئتم ولن ينفعكم كونى فيكم فانى شيخ كبير ولى مال في دارى بمكة فارجعوا وخذوه وخلونى وما انا عليه من الإسلام ففعلوا وسار هو إلى المدينة فلما دخلها لقيه أبو بكر فقال له ربح البيع يا صهيب فقال وما ذاك يا أبا بكر فأخبره بما نزل فيه ففرح بذلك صهيب . فيشرى حينئذ بمعنى يشترى لجريان الحال على صورة الشراء لأنه اشترى نفسه من المشركين ببذل ماله لهم * واعلم أن المؤمنين باعوا باختيارهم أنفسهم فكان ثمن نفس المؤمن الجنة اما الأولياء فإنهم باعوا باختيارهم أنفسهم فكان ثمن نفس الأولياء مرضاة اللّه تعالى وبينهما فروق كثيرة فعلى السالك ان يخرج من أوطان البشرية ويغترب عن ديار الاقران حتى يكون مجاهدا حقيقيا وشهيدا معنويا قال عليه الصلاة ( والسلام طوبى للغرباء ) وقال أيضا ( من مات غريبا فقد مات شهيدا ) يشير بذلك إلى الانقطاع من الخلق إلى الخالق وذلك لا يكون الا بمخالفة الجمهور في العادات والشهوات وفي الحديث ( يا انس ان استطعت أن تكون ابدا على وضوء فافعل فان ملك الموت إذا قبض روح العبد وهو على وضوء كتب له شهادة ) وذلك لان الوضوء وإشارة إلى الانفصال عما سوى اللّه تعالى كما أن الصلاة إشارة إلى الاتصال باللّه تعالى وفي الحديث أيضا ( دم على الطهارة يوسع عليك الرزق ) فالطهارة الصورية سبب لتوسيع الرزق الصوري وكذا طهارة الباطن سبب لتوسيع الرزق المعنوي من المعارف والإلهامات والواردات وعند ذلك يحيى القلب بالحياة الطيبة وتموت النفس عن صفاتها وليس ذلك الا اثر الجهاد الحقيقي فمن تخلص من قيد النفس ومات بالاختيار فهو حي ابدا : وفي المثنوى اى بسا نفس شهيد معتمد * مرده در دنيا وزنده مىرود ولا بد للعبد من العروج من الخلق إلى الخالق ومن الحاجة التامة لنفسه إلى الغنى التام بالحق في تحصيل كل الخيرات ودفع كل الآفات فإذا فر إلى اللّه ووصل إلى جماله وغرق في مشاهدة جلاله شاهد سر قوله تعالى قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ وأول الأمر ترك الأموال ثم ترك الأولاد ثم ترك النفس . فعند الأول يتجلى توحيد الافعال . وعند الثاني يتجلى توحيد الصفات . وعند الثالث