الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
313
تفسير روح البيان
تمام الحج ان تقف المطايا * على خرقاء واضعة اللثام وخرقاء اسم حبيبة الشاعر واضعة اللثام اى مكشوفة الوجه مسفرة جعل الوقوف عليها كبعض مناسك الحج الذي لا يتم الا به وحقيقة ما قال هو انه كما قطع البوادي حتى وصل إلى بيته وحرمه ينبغي ان يقطع أهواء النفس ويخرق حجب القلب حتى يصل إلى مقام المشاهدة ويبصر آثار كرمه بعد الرجوع عن حرمه * قال في التأويلات النجمية حج العوام قصد البيت وزيارته وحج الخواص قصد رب البيت وشهوده كما قال الخليل عليه السلام انى ذاهب إلى ربى سيهدين وكما أن من قصد اللّه وطلبه وتوجه اليه بالكلية وفدى بنفسه وماله وولده في اللّه واتخذ ما سواه عدوا كما قال فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ كان الخليل عليه الصلاة والسلام وهذا كله من مناسك الحج الحقيقي فلذلك جعله اللّه أول من بنى بيت اللّه وطاف وحج واذن في الناس بالحج وسن المناسك وكان الحج صورة ومعنى مقامه عليه السلام وكما كان له مقام كان لنبينا عليه السلام حال والحال أتم من المقام لان المقامات من المنازل والأحوال من المواهب فيمكن سلوك المقامات بغير المواهب ولا يمكن المواهب بغير سلوك المقامات فلما كان الخليل من أهل المقامات قال إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ولما كان النبي عليه الصلاة والسلام من أهل المواهب قيل سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ فلما كان ذهابه بنفسه في الحج الحقيقي بقي في السماء السابعة وأحصر فقيل له فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فاهدى بإسماعيل ولما اسرى بالنبي عليه السلام وكان ذهابه باللّه ما احصره شئ فقيل له وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فأتم حجه بان دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم اتى عمرته بان تجلى له أقمار المقصود عن كشوف التعزز بالشهود وانجلت عنانة المحبة عن شموس الوصلة وجرى بين المحبين ما جرى فأوحى إلى عبده ما أوحى ثم نودي من سرادقات الجلال في إتمام الحج والا كمال يوم الحج الأكبر عند وقوفه بعرفات في حجة الوداع وهو آخر الحجات اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا انتهى ما في التأويلات * ثم اعلم أن كل قلب لا يصلح لمعرفة الرب ولا كل نفس تصلح لخدمة الرب ولا كل نفيس مال يصلح لخزانة الرب فتعجل أيها العبد في تدارك حالك وكن سخيا بمالك فإن لم يكن فبنفسك وان كان لك قدرة على بذلهما فبهما ألا يرى أن إبراهيم عليه السلام كيف اعطى ما له للضيفان وبدنه للنيران وولده للقربان وقلبه للرحمان حتى تعجب الملائكة من سخاوته فأكرمه اللّه بالخلة قال اللّه تعالى وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا قال مالك ابن دينار خرجت إلى مكة فرأيت في الطريق شابا إذا جن عليه الليل رفع وجهه نحو السماء وقال يا من تسره الطاعات ولا تضره المعاصي هب لي ما يسرك واغفر لي ما لا يضرك فلما احرم الناس ولبوا قلت له لم لا تلبى فقال يا شيخ وما تغنى التلبية عن الذنوب المتقدمة والجرائم المكتوبة والمعاصي السالفة أخشى ان أقول لبيك فيقال لي لا لبيك ولا سعديك لا اسمع كلامك ولا انظر إليك ثم مضى فما رأيته الا بمنى وهو يقول اللهم اغفر لي اللهم ان الناس قد ذبحوا وتقربوا إليك وليس لي شئ أتقرب به إليك سوى نفسي فتقبلها منى ثم شهق شهقة وخرمتا اللهم عاملنا بكمال كرمك وأوصلنا إلى حضرتك العليا وحرمك الْحَجُّ بحذف المضاف اى وقته لان الحج فعل