الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
304
تفسير روح البيان
الماضي والحال والمستقبل والوقت الزمان المفروض لامر لِلنَّاسِ اى لما يتعلق بهم من أمور معاملاتهم ومصالحهم وَالْحَجِّ وأموره المتعلقة بأوقات مخصوصة * فان قلت لما كانت الأهلة مواقيت يوقت بها الناس عامة مصالحهم علم منه كونها ميقاتا للحج لأنه من جملة المصالح المتوقفة على الوقت فلم خصه بالذكر * قلت الخاص قد يذكر بعد العام للتنبيه على مزيته فالحج من حيث إنه يراعى في أدائه وقضائه الوقت المعلوم بخلاف سائر العبادات التي لا يعتبر في قضائها وقت معين وحاصل الخطاب ان الهلال يبدو دائما ويظهر لكم على حسب مصلحتكم لقربه وبعده من الشمس كما بين في فن الهيئة * قال في التيسير ثم الشمس على حالة واحدة لأنها ضياء للعام وقوام لمصالح الناس والقمر يتغير لان اللّه علق به ما قلنا من المواقيت وذلك يعرف بهذه الاختلافات ودبر عز وجل هذا التدبير لحاجة الناس إلى ذلك انتهى وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها كان الأنصار إذا احرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطا ولا بيتا ولا دارا من بابه فإن كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته يدخل منه ويخرج أو يتخذ سلما فيصعد منه وان كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل ولا يخرج من الباب حتى يحل من إحرامه ويرون ذلك برا الا ان يكون من الحمس وهم قريش وسببه انهم ظنوا انه لا بد في الإحرام من تغيير جميع العادات فغيروا عادتهم في الدخول كما غيروا في اللباس والتطيب وقالوا لا ندخل بيوتا من الأبواب حتى ندخل بيت اللّه تعالى وكان منهم من لا يستظل بسقف بعد إحرامه ولا يأقط الأقط ولا يجز الوبر وهذه أشياء وضعوها من عند نفوسهم من غير شرع فعرفهم اللّه تعالى ان هذا التشديد ليس ببر ولا قربة وَلكِنَّ الْبِرَّ بر مَنِ اتَّقى المحارم والشهوات دون دخول البيت من ظهر * وفي الكشاف فان قلت ما وجه اتصاله بما قبله قلت كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن الحكمة في نقصانها وتمامها معلوم ان كل ما يفعله اللّه تعالى لا يكون الا حكمة بالغة ومصلحة لعباده فدعوا السؤال عنه وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم مما ليس من البر في شئ وأنتم تحسبونها برا وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها حال الإحرام إذ ليس في العدول بر وَاتَّقُوا اللَّهَ في تغيير أحكامه والاعتراض على أفعاله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ اى لكي تظفروا بالبر والهدى * وللآية تأويل آخر قاله الحسن قال كان في الجاهلية من هم بسفر أو امر يصنعه فمنع عن ذلك لم يدخل داره من الباب حتى يحصل له ذلك وكان قريش وقبائل العرب من خرج لسفر أو حاجة ثم رجع ولم يظفر بذلك كان ذلك طيرة فنهاهم اللّه عن ذلك واخبر ان الطيرة ليس ببر والبر بر من لم يخف غيره وتوكل عليه - حكى الجاحظ - قال تحاورت انا وإبراهيم بن سيار المعروف بالنظام حديث الطيرة فقال أخبرك انى جعت حتى أكلت الطين وما صبرت على ذلك حتى قلبت قلبي أتذكر هل ثمة رجل أصيب عنده غداء أو عشاء فقصدت الأهواز وهي من بلدان فارس وما اعرف بها واحدا وما كان ذلك إلا شيئا امر به الضجر فوافيت الفرضة فلم أجد بها سفينة فتطيرت من ذلك ثم انى رأيت سفينة في صدرها خرق وهشم فتطيرت أيضا فقلت للملاح ما اسمك قال « ديو زاده » بالفارسي وهو اسم الشيطان فتطيرت وركبت معه فلما قربنا من الفرضة صحت يا حمال ومعي لحاف سمل وبعض ما لا بدلي منه فكان أول حمال أجابني