الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
292
تفسير روح البيان
لرؤية الحق وإفطاره بالرؤية قوله تعالى كتب عليكم الصيام اى على كل عضو في الظاهر وعلى كل صفة في الباطن . فصوم اللسان عن الكذب والفحش والغيبة . وصوم العين عن النظر في الغفلة والريبة . وصوم السمع عن استماع المناهي والملاهي وعلى هذا فقس الباقي . وصوم النفس عن التمني والحرص والشهوات . وصوم القلب عن حب الدنيا وزخارفها . وصوم الروح عن نعيم الآخرة ولذاتها . وصوم السر عن رؤية وجود غير اللّه وإثباته كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ هي إشارة إلى أن اجزاء وجود الإنسان من الجسمانية والروحانية قبل التركيب كانت صائمة عن المشارب كلها فلما تعلق الروح بالقالب صارت اجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية بقوة امداد الروح بالقالب صارت اجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والحيوانية فالآن كتب عليهم الصيام وهم مركبون كما كتب على الذين من قبلكم من المفردات لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ من مشارب المركبات وتصومون فيها مع حصول استعداد الشراب ليفطروا عن مشارب يشرب بها عباد اللّه إذ أسقاهم ربهم شرابا طهورا فيطهركم طهورية هذا الشراب من دنس استدعاء الحظوظ الحيوانية والروحانية كما قال ولكن يريد ليطهركم فلما أفل كوكب استدعاء الحظوظ طلعت شمس استدعاء اللقاء من مطلع الالتقاء فحينئذ يتحقق انجاز ما وعد سيد الأنبياء بقوله ( للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ) ثم اخبر عن كمال لطفه مع العباد بتقليل الاعداد في قوله أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ والإشارة فيها هو ان صومكم في أيام قلائل معدودة متناهية وثمرات صومكم في أيام غير معدودة ولا متناهية فلا يهولنكم سماع ذكره كذا في التأويلات النجمية شَهْرُ رَمَضانَ مبتدأ خبره ما بعده فيكون المقصود من ذكر هذه الجملة المنبهة على فضله ومنزلته الإشارة إلى وجه تخصيصه من بين الشهور بان فرض صومه ثم أوجب صومه بقوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ المعهود فَلْيَصُمْهُ وسمى الشهر شهرا لشهرته * ورمضان مصدر رمض إذا احترق فأضيف اليه الشهر وجعل المجموع علما ومنع من الصرف للتعريف والألف والنون * وانما سمى بذلك اما لارتماض الأكباد واحتراقها من الجوع والعطش واما لارتماض الذنوب بالصيام فيه أو لوقوعه أيام رمض الحر اى شدة وقوعه على الرمل وغيره * قيل إنهم نقلوا أسماء الشهور من اللغة القديمة فسموها بالأزمنة التي وقعت هي فيها وقت التسمية فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمى به كما يسمى بربيع لموافقته الربيع وجمادى لموافقته جمود الماء * أو رمضان اسم من أسماء اللّه تعالى والشهر مضاف اليه ولذلك روى ( لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا جاء شهر رمضان فان رمضان اسم من أسماء اللّه تعالى ) الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ جملة إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم نزل به جبريل نجوما في ثلاث وعشرين سنة حسبما تقتضيه المشيئة الربانية وعن النبي عليه السلام ( نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين منه والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين ) والقرآن من القرء وهو الجمع لأنه مجمع علم الأولين والآخرين هُدىً لِلنَّاسِ اى انزل حال كونه هداية للناس إلى سواء الصراط بما فيه من الاعجاز وغيره وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ اى وحال كونه آيات واضحات مما يهدى إلى الحق ويفرق بينه وبين الباطل بما فيه من الحكم والاحكام فالهدى على قسمين