الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
289
تفسير روح البيان
شهوة من الشهوات وفي الأعمال مجتنبا عن الرسوم والعادات كما قال النبي عليه السلام ( بعثت لرفع العادات وترك الشهوات ) وقال ( بعثت لاتمم مكارم الأخلاق ) بان يجعل المشارب مشربا واحدا والمحابيب محبوبا واحدا والمذاهب مذهبا واحدا حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ يعنى ما ذكرنا من الوصية بجملتها حق واجب على متقى الشرك الخفي ولهذا قال على المتقين وما قال على المسلمين والمؤمنين لأنهم أهل الظواهر والمتقون هم أهل البواطن كما قال عليه السلام ( التقوى هاهنا ) وأشار إلى صدره * واعلم أن القرآن انزل لأهل البواطن كما انزل لأهل الظواهر لقوله عليه السلام ( ان للقرآن ظهرا وبطنا ) فظاهره الاحكام لأهل الظواهر والاحكام تحتمل النسخ كما نسخت هذه الآية في الوصية الظاهرة وباطنه الحكم والحقائق فهي لا تحتمل النسخ ابدا ولهذا قال أهل المعاني ليس شئ من القرآن منسوخا يعنى وان كان دخل النسخ في احكام ظاهره فلا يدخل في احكام باطنه فيكون ابدا معمولا بالمواعظ والاسرار والحقائق حقا على المتقين لأنه مخصوص بهداية المتقين كقوله تعالى هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فحكم الوصية في حقهم غير منسوخ ابدا كذا في التأويلات النجمية قدس اللّه نفسه الزكية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قال أصحاب اللسان يا حرف نداء وهو نداء من الحبيب للحبيب وأيها تنبيه من الحبيب للحبيب وآمنوا شهادة من الحبيب للحبيب * وقال الحسن إذا سمعت اللّه يقول يا أيها الذين آمنوا فارفع لها سمعك فإنه لامر تؤمر به أو لنهى تنهى عنه * وقال جعفر الصادق لذة في النداء أزال بها تعب العبادة والعناء يشير إلى أن المحب يبادر إلى امتثال امر محبوبه حتى لوامره بإلقاء نفسه في النار كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ اى فرض عليكم صيام شهر رمضان فإنه تعالى قال بعده أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وقال تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ بعد قوله شَهْرُ رَمَضانَ والصيام في الشريعة هو الإمساك نهارا مع النية من أهله عن المفطرات المعهودة التي هي معظم ما تشتهية الأنفس وهذا صوم عوام المؤمنين واما صوم الخواص فالامساك عن المنهيات واما صوم أخص الخواص فالامساك عما سوى اللّه تعالى كَما كُتِبَ محل كما النصب على أنه صفة مصدر محذوف اى كتب كتابا كائنا مثل ما كتب وما مصدرية أو على أنه حال من الصيام وما موصولة اى كتب عليكم الصيام مشبها بالذي كتب عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأنبياء عليهم السلام والأمم من لدن آد عليه السلام وفيه تأكيد للحكم وترغيب فيه وتطبيب لانفس المخاطبين فان الصوم عبادة شاقة والشيء الشاق إذا عم سهل تحمله ويرغب كل أحد في إتيانه والظاهر أن التشبيه عائد إلى أصل إيجاب الصوم لا إلى كمية الصوم المكتوب وبيان وقته فكان الصوم على آدم أيام البيض وصوم عاشورا كان على قوم موسى والتشبيه لا يقتضى التسوية من كل وجهه كما يقال في الدعاء اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وكما قال عليه السلام ( انكم سترون ربكم كالقمر ليلة البدر ) فان هذا تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ المعاصي فان الصوم يكسر الشهوة التي هي مبدأها كما قال عليه السلام ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فان الصوم له وجاء ) قوله الشباب جمع شاب وهو عند أصحابنا من بلغ ولم يحاوز ثلاثين كذا قاله النووي والباءة