الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

286

تفسير روح البيان

حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به والإذعان أو تتقون عن القتل مخافة القود * وفيه تحذير عن القتل فان من أعظم حقوق العباد الدماء وهي أول ما يحاسب به العبد بالنسبة إلى حقوق العباد كما أن الصلاة أول ما يحاسب به بالنسبة إلى حقوق اللّه تعالى وفي الحديث ( يأتي المقتول معلقا رأسه بإحدى يديه ملببا قاتله بيده الأخرى تشخب أوداجه دما حتى يوقفا فيقول المقتول للّه سبحانه هذا قتلني فيقول اللّه تعالى للقاتل تعست ويذهب به إلى النار ) * واعلم أن الذنوب على ثلاثة أوجه * الأول فيما بين العبد وبين اللّه تعالى كالزنى واللواطة والغيبة والبهتان ما لم يبلغ إلى من بهته واغتابه فإذا بلغه وجعله في حل وتاب المذنب فنرجو ان اللّه يغفر له وكذلك إذا زنى بامرأة ولها زوج فلم يجعله ذلك الرجل في حل لا يغفر له لان خصمه الآدمي فإذا تاب وجعله في حل فإنه يغفر له ويكتفى بحل منه ولا يذكر الزنى بان قال كل حق لي عليك فقد جعلتك في حل منه ومن كل خصومة بيني وبينك وهذا صلح بالمعلوم على المجهول وذلك جائز كرامة لهذه الأمة لان الأمم السالفة ما لم يذكر الذنب لا يغفر لهم * والثاني ذنب فيما بينه وبين اعمال اللّه وهو ان يترك الصلاة والصوم والزكاة والحج فان التوبة لا تكفيه ما لم يقض الصلاة وغيرها لان شرط التوبة ان يؤدى ما ترك فإذا لم يؤد فكأنه لم يتب * والثالث فيما بينه وبين عباد اللّه وهو ان يغصب أموالهم أو يضربهم أو يشتمهم أو يقتلهم فان التوبة لا تكفيه الا ان يرضى عنه خصمه أو يجتهد في الأعمال الصالحة حتى يوفق اللّه بينهما يوم القيامة فإنه إذا تاب العبد وكان عليه حقوق العباد فعليه ان يردها إلى أربابها وان عجز عن إيصالها وأراد اللّه مغفرته يقول لخصمه يوم القيامة ارفع رأسك فيرفع فيرى قصورا عالية فيقول يا رب لمن هذه فيقول اللّه تعالى أنت قادر عليها فان ثمنها عفوك عن أخيك فيقول قد عفوت فيقول اللّه تعالى خذ يد أخيك واذهبا إلى الجنة * والإشارة في الآية ان اللّه تعالى كتب عليكم القصاص في قتلاكم كما كتب على نفسه الرحمة في قتلاه كما قال ( من أحبني قتلته ومن قتلته فانا ديته ) : وفي المثنوى كر يكى سر را ببرد از بدن * صد هزاران سر بر آرد در زمن [ 1 ] اقتلوني يا ثقاتى لائما * ان في قتلى حياتي دائما [ 2 ] ان في موتى حياتي يا فتى * كم أفارق موطني حتى متى شير دنيا جويد آشكاري وبرگ * شير مولى جويد آزادى ومرگ چونكه اندر مرگ بيند صد وجود * همچو پروانه بسوزاند وجود [ 3 ] فعلى العاقل ان يقتل نفسه بالرياضات الشديدة ويحيى قلبه بالحياة الطيبة الباقية اللهم وفقنا لمداواة هذه القلوب المرضى آمين كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ اى حضر أسبابه وظهر امارته وآثاره من العلل والأمراض إذ لا اقتدار على الوصية عند حضور نفس الموت والعامل في إذا مدلول كتب لان الكتب بمعنى الإيجاب لا يحدث وقت حضور الموت بل الحادث تعلقه بالمكلف وقت حضور موته فكأنه قيل توجه عليكم إيجاب اللّه تعالى ومقتضى كتابه إذا حضر فعبر عن توجه الإيجاب وتعلقه بكتب للدلالة على أن هذا المعنى مكتوب في الأزل